تحقيقات

(S.T) تفتح ملف عمالة الاطفال

عمالة الاطفال :الخطر الداهم
طفل جائل : أحلم بأن أكون طبيباً في المستقبل
اكثر  من مليون طفل في سوق العمل السودان: ماسحو أحذية وحمّالون وبائعون  جائلون
لجنة المعلمين: الامر يحتاج الى تظافر جهود من الحكومة
خبراء: الكارثة تتمثّل بتسرب هؤلاء الأطفال من المدرسة
تحقيق: عرفة خواجة
يلاحق الطفل “حسن الزين” البالغ من العمر  عشرة اعوام ، صفوف  السيارات عند تقاطع شارعي الجمهورية والمك نمر واحيانا  استوب نفق جامعة الخرطوم ،، ويلح على أصحابها  لشراء مناديل ورقية يعرضها عليهم بسعر 100 جنيها  ليجني عائدا يوميا  قدره 600 جنيها  ، هي حصيلة ارباحه اليومية  واحيانا تزيد وتصل الى 1000 جنيها ، لكن ذلك الربح البسيط لا يوازي مطلقاً خسارة أخرى أكبر، بعدما ترك مقعده الدراسي وتفرغ   لمساعدة  نفسة  وأسرته.
(1)

وحسن  واحداً من بين آلاف الأطفال في السودان الذين اضطرتهم ظروف الحياة المعيشية لترك مقاعد الدراسة وقطع مراحل طفولتهم في سوق العمل، ليواجهوا جملة من المخاطر الصحية والبيئية والاستغلال، و ﺃﺳﻔﺮ ذلك  ﻋﻦ ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ بالأمان،  ﺗﺤﺖ ﻭﻃﺄﺓ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﻭﺍﻟﻈﺮﻑ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩي ﻭﺍﻟﻤﻌﻴشي ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋي ﺍﻟﺼﻌﺒ، ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻜﺜﻴﺮا ﻣﻨﻬﻢ ﻣﺤﺮﻭﻣﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﻄﻔﻮﻟﺘﻬﻢ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺠﺒﺮﻫﻢ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ للعمل ﻓﻲ ﺳﻦ ﻣﺒﻜﺮﺓ.

في الاونه الاخيرة ارتفعت ظاهرة عمالة الاطفال ،وخاصة الطلاب منهم يعملون في الاعمال الهامشية كالاورنيش وغسيل المركبات ،والعمل في المطاعم، واصبحوا عرضة للاستغلال  في مواقع العمل ، وهذا الاستغلال يعيق قدرتهم على الذهاب إلى المدرسة، ويؤثر تأثيرا ضارا عقلي و جسدي و اجتماعي أو معنوي
(2)
كثير ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﻈﻤﺎﺕ التي تعمل في مجال الاهتمام بالأطفال ضربت  ناقوﺱ ﺍﻟﺨﻄﺮ، ﻣﻨﺪﺩﺓ ﺑﺎﻧﺘﻬﺎﻙ ﺑﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﻭﺁﺩﻣﻴﺘﻪ ﺑﺎﺳﺘﻐﻼﻟﻪ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻝ لا تتناسب مع عمره، وحذرت مما ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻣﻀﺎﻳﻘﺎﺕ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺤﺬﻳﺮﺍﺕ ﻟﻢ ﺗﺠﺪ الاهتمام ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﺎﺕ ﺍﻟﺮﺳﻤﻴﺔ  ﻭﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ تعاملت ﻣﻊ ﺍﻷﻣر ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻋﺸﻮﺍﺋﻴﺔ ﺩﻭﻥ فعل ﺣﻘﻴﻘﻲ ﻹﻳﻘﺎﻑ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺨﺎﻃﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻟﻬﺎ ﻣﻼﻳﻴﻦ الأطفال  ﻓﻲ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﻌﻤﻞ، فيما ﺣﺬﺭ ﻣﺨﺘﺼﻮﻥ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﻮﻥ ﻭﻧﻔﺴﻴﻮﻥ ﻣﻦ ﺗﻜﻠﻴﻒ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺑﺄﻋﻤﺎﻝ ﺗﻔﻮق ﻃﺎﻗﺘﻬﻢ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺰﺝ ﺑﻬﻢ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻊ ﺃﻋﻤﺎﺭﻫﻢ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻛﺴﺐ ﺍﻟﻘﻠﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ، وأكدوا ﺃﻥ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺼﺮﻓﺎﺕ ﻳﺪﺧﻞ ﺿﻤﻦ ﻣﻤﺎﺭﺳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺴﻮﺓ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺍﻟﻄﻔﻞ،  خاصة أن الأسواق  تجمع كل فئات المجتمع

(3)

“حمودي” طفل لم يتجاوز عمره عشرة  أعوام، رأيته في أحد الأسواق يحمل بيده لفافة من أكياس النايلون، ويلوح بها على المارة،  سألته مداعبه عن سعر ( الكيس)  فأجابني وابتسامة عريضة ارتسمت على وجهه (جنيه واحد)،  وبعدها دخلت معه في دردشه خفيفة وسألته عن عمره ومدرسته وأسرته وسر عمله  وأحلامه  في المستقبل  أجابني ببراءة ممزوجة بصدق طفولي: “أدرس بالصف الرابع وأسكن مع أبي وإخواني. والدتي توفيت، وتقاعد والدي عن العمل بسبب  جلطة بالرأس جعلته غير قادر على العمل؛ لذا اعمل أنا وبقية إخوتي بالأسواق، أما أنا فأعمل لأصرف على نفسي  واشتري احتياجاتي، ومضي في حديثه أقوم ببيع أكياس النايلون، وأحصل على عائد يومي قدره 500 جنيها، أخرج للعمل بعد عودتي من المدرسة، وأحلم بأن أكون طبيباً في المستقبل
(4)

“عبد القادر” طفل آخر وجدته بسوق ستة بالحاج يوسف ، وهو يلوح بحزمة النعناع في وجه سيدة بدت منهمكة في ترتيب مشترياتها وتحاول جاهدة تجاهل وجوده وملاحقته لها، لكنه كان يتبعها  بإلحاح شديد، وهو يردد: “نعناع ياخالة (ا شتري النعناع بي 50  جنيه بس) ،  انتفضت المرأة  في وجهه وصاحت بصوت مبحوح من الغضب (يا ولد امش من هنا)، وانهالت عليه  بالشتائم، فما كان منه إلا أن أطلق ساقيه وفر  بعيداً منها،  أسرعت أنا باتجاهه حتي لحقت به، وسألته عن اسمه  وأسرته فقال: “اسمي عبد القادر” ورفض الحديث عن أسرته ،واكتفي بأن يخبرني أنه يشتري  النعناع من  تاجر  يجلبه من السوق المركزي، ويرد قيمته في نهاية اليوم بعد خصم فائدته،  وقال : (تركت الدراسة لظروف أسرتي، وأعمل في السوق طوال اليوم،  واضاف  قائلا:إنه لم يعد أمامه فرصة لمواصلة تعليمه، لأن الأسرة في حاجة لما تنفقه، مشيراً إلى أنه في بعض الأحيان لا يقوى على تحمل أشعة الشمس الحارقة، ولا سيما في الصيف، ليؤكد لـ(S.T) أنه يفكر في العودة إلى الدراسة التي تركها في الصف االرابع ، من العام المقبل، بعدما يدخر بعضاً من المال من عمله في بيع النعناع  
(5)

منظمة العمل الدولية:
في ذات الأمر أصدرت المنظمة العديد من الاتفاقيات التي تعالج شؤون العمل المختلفة منها الاتفاقيات الثمانية التي تمثل المعايير الأساسية لحقوق الإنسان في العمل، كان آخرها الاتفاقيتين رقم 138 لسنة 1973 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام والاتفاقية رقم 182 لسنة 1999 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال، اللتان تعتبران من الاتفاقيات الثمانية المشار إليها أعلاه، وأهم الاتفاقيات التي أقرتها مؤتمرات العمل الدولية في مجال عمل الأطفال وأحدثها، حيث تعتبر الأحكام التي وردت فيها معايير أساسية لحقوق الإنسان في العمل تلتزم بها الدول المنضمة إليها وتتم مساءلتها عن الإخلال في الوفاء بالالتزامات المترتبة عليها بموجبها، كما تلتزم الدول الأخرى أدبيا بأحكامها رغم عدم مصادقتها عليها، وذلك بحكم عضويتها في هذه المنظمة والتزامها بدستورها وإعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل الذي صدر عنها

 (6)

ومن جهتها، تقول الباحثة الاجتماعية” ثريا إبراهيم”، إن الأطفال العاملين عند التقاطعات الرئيسة والأسواق يعانون مشاكل صحية بسبب تعرضهم لأشعة الشمس ساعات طويلة، ويحملون في بعض الأحيان أشياء ثقيلة لبيعها، ما يؤثّر بأجسادهم الصغيرة. يضاف إلى ما سبق ارتفاع نسبة احتمالات الاعتداء عليهم

 واضافت  أن الكارثة تتمثّل بتسرب هؤلاء الأطفال من المدرسة، ما يخلق مشاكل اجتماعية أخرى، منها انتشار الجريمة وتعاطي المخدرات، وترى أن الفقر الذي تعاني منه الكثير من العائلات السودانية هو السبب الرئيسي للعديد من المشاكل، داعية الدولة والمجتمع إلى القيام بواجباتهما حيال الأطفال وأسرهم، ولا سيما مؤسسات التكافل الاجتماعي، مثل ديوان الزكاة وغيرها
وتؤكد   أن قانون الطفل لعام 2010 يضم بنوداً واضحة في كيفية التعاطي مع مشكلة عمالة الأطفال وحمايتهم منها، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن القانون يحتاج إلى مزيد من التطوير، وخصوصاً في مجالي المراقبة والتفتيش، مشددة على أهمية التوعية والإرشاد الاجتماعي للحد من الظاهرة
                                                         

7
ومن جانبه قالت  عضو لجنة المعلمين  والقيادية  بتجمع المهنين “قمرية عمر” ل(S.T) التسرب المدرسي له  مشاكل اجتماعية واسرية واقتصادية   واحيانا تضع الظروف هؤلاء الاطفال تحت وطأة الحاجة  والعمل من اجل توفير حياة كريمة ، ليصبحوا  عمالة في مناطق صعبة ويعملو عمل غير منظم  في الاسواق والورش ، واشارت الى ان عمالة الاطفال  يحتاج الى تظافر جهود من الدولة ومنظمات المجتمع المدني ،لان المشكلة الاقتصادية اكبر من دمجهم في المدارس لاكمال تعليمهم   ، الامر يحتاج الى حلول  عاجلة ،واردة سياسية قوية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى