تقارير

21أكتوبر … ذكرى ثورة وتصحيح أخرى

في ظل تباين المواقف وضبابية التوقعات

الخرطوم : S.T
استلهاماً بذكرى ثورة أكتوبر المجيدة يعتزم السودانيون اليوم الأربعاء الخروج مجدداً للشوارع لتسجيل صوت إحتجاج في وجه الحكومة الإنتقالية وتصحيح مسار الثورة أو كما أشارت بذلك عدد من الأحزاب ولجان المقاومة والتنظيمات التي تبنت الدعوة .المشهد السوداني يشير إلى أن هناك حالة من الترقب والحذر نسبة لضبابية النتائج والتوقعات التي تترتب على دعوات التظاهر اليوم، علماً بأن هناك تباين واضح في مواقف قوى الثورة تجاه “المليونية” التي ستنطلق في تمام الساعة الواحدة بعدد من نقاط التجمع في العاصمة وبعض مدن البلاد. ولعل حالة الارتباك العامة التي تتسيد المشهد تعود لعدة أسباب منها التشكيك في غايات الحراك الثورة، فالذين أعلنوا عنها يؤكدون أنها جاءت لتصحيح مسار الثورة وتقويم الحكومة والضغط عليها لإنجاز التغيير المنشود، لكن وفي نفس الوقت يتخوف البعض من إستغلال فلول النظام البائد للمواكب بهدف خلق فوضى تمهد في اسوء فروض لخلق واقع جديد يعيدهم من مرة أخرى للوجهة تحت لافتة “المصالحة الوطنية الشاملة”. وتأتي الاحتجاجات المتوقعة اليوم في ظل ظروف إقتصادية بالغة التعقيد، حيث مثلت “طوابير” المواطنين الطويلة أمام المخابز ومحطات الوقود كابوس يؤرق حياة الناس، في حين يشهد الإمداد الكهربائي رداءة في التوصيل وقطوعات لساعات ممتدة الأمر الذي خلق حالة من السخط على الحكومة الإنتقالية، وعلى ضوء ذلك كان مطلب إيجاد حلول مستعجلة لتخفيف عبء المعيشة من أهم المطالب التي يرفعها الداعين لتظاهر اليوم بالإضافة إلى العديد من الملفات التي ينتظر الشارع السوداني حسمها مثل القصاص للشهداء وتكوين المجلس التشريعي الانتقالي وتحقيق السلام مع بقية الأطراف. كذلك يقول بعض المتحمسين لدعوة “مليونية أكتوبر” أنها ستعيد فرض سيطرة الشارع على زمام المبادرة والتأكيد بأن الثوار على الأرض هم النقطة المركزية للتغيير الأمر الذي يبعد الدوائر المتحكمة على مفاصل القرار في الدولة التي تجد تحفظات من البعض.
بالمقابل الفئات الغير متحمسة اليوم وتتوقع حدوث نتائج عكسية تبني فرضيتها على أن الدعوة للتظاهر اليوم في الأساس كانت منطلقة من جهات غير معلومة قبل تحاول بعض الأحزاب والتنظيمات المطلبية والفئوية تبينها وعليه يتخوفون من أن تكون هناك أيادي خفية ترتب لأمر ما، ومن أبرز هؤلاء حزب الأمة القومي الذين قال في بيان له: “نرى أنَّ الخروجَ في ٢١ أكتوبر 2020م ، يدعمُ مخططات قوى الرِّدة والتآمر على الثورة، وقد تنادت إليه بالفعل تلك القوى، بكلّ طوائفِها، ولهذا فإننا نناشدُ كافةَ الثوار، وأبناء شعبنا العظيم تفويتَ الفرصة على المتربصين بثورتِنا العظيمة، والعملَ على تحقيق مطالب الإنتقالِ الثورية عبرَ الحوار البنَّاء مع حكومتهم، التي أتوا بها وارتضوها، وإن تطلب الأمرُ تعديلها أو إعادة تشكيلِها”.
بالمقابل “الحزب الشيوعي” الذي يعد من أبرز الداعين للخروج اليوم قال في بيان له تحت لافته “مديرية الخرطوم” مطلع الأسبوع؛ أن الفترة الإنتقالية تمر بمرحلة تاريخية معقدة ومثيرة للقلق من جراء تردي الحالة المعيشية التي أرجعها لتراخي الحكومة في إنفاذ مطلوبات ثورة ديسمبر المجيدة بالإضافة لعدم إمساكها بالمهام التي نصت عليها الوثيقة الدستورية والسماح لتدخل المكون العسكري داخل مجلس السيادة في صلاحية السلطة التنفيذية، أيضا وصف الحزب الحكومة بعدم الشجاعة في إتخاذ ثورية في سبيل انجاز مستحقات ثورة ديسمبر من القصاص للشهداء وإعلان نتائج فض الاعتصام وصولاً لتفكيك التمكين وفتح الطريق للتحول الديمقراطي.
ونوه “الشيوعي” كذلك لعدد من المطالب التي تحتم التظاهر اليوم مثل إلغاء القوانين المقيدة للحريات وعلى رأسها القانون الجنائي وقانون الحكم المحلي وقانون النقابات 2020م بالإضافة لتكوين المجلس التشريعي بما يرضي القوى الثورية. ودعا عضوية الحزب والأصدقاء والديمقراطيين المشاركة في “المليونية” وأكد على أن الخروج اليوم هو دعماً للحكومة.
وفي ذات الإتجاه مضى تجمع المهنيين السودانيين الذي أورد المطالب السابقة وأعلن هو الأخر إنخراطه في الحراك واصفاً الأداء الحكومي بالمضطرب والضعيف وفي ذلك أشار إلى الحوادث الدامية التي شهدها ولاية كسلا شرق البلاد الأيام القليلة الماضية، وقال تجمع المهنيين في البيان الذي أصدرته الخميس الماضي أن السلطة الانتقالية وحاضنتها الرسمية تواصل منهج الإلهاء والحلول الجزئية وبيع السمك في الماء ـ بحسب وصفه ـ وتمنيت الشعب بأموال المانحين ووعودهم الهباء وكما أنها تهول الترويج لسلام جزئي غلب عليه فقة الترضية والمسارات.
“التجمع” كذلك تحدث عن وضع الشركات الحكومية والرمادية تحت سيطرة وزارة المالية وأنهاء نزيف الموارج وسطوة الاقتصاد الموازي، وقال :”تجمع المهنيين لن يكون ستراً على التلاعب بمسار الانتقال فالثورة العظيمة المضمخة بالدماء تستحق تضحيات أن تقابل بكل تفان وعطاء” وتابع :”ندعم غضبة الشعب المشروعة على حصيلة أداء السلطة الانتقالية … ونبارك دعوات التظاهر اليوم طلباً لتقويم والاستواء على جادة مطالب الشعب”.
دفتر الحضور الثوري لـ(مليونية ذكرى أكتوبر) شهدت توقيعات لعديد من الجهات السياسية والثورية أبرزها تحالف قوى الإجماع الوطني والأحزاب المنضوية تحته ومنظمة أسر شهداء ثورة ديسمبر ومنظمة مصابي الثورة، واخيراً اعلن المجلس المركزي للحرية والتغيير تأييده للخروج.
أما لجان المقاومة فقد وقع أغلبها بالإنخراط في التظاهر لكن اختلفت حول الجهة المستهدفة بالاحتجاج فقد أعلنت اللجان مثل لجان “مقاومة بري” أن التظاهرات ستكون ضد الجميع “الحكومة، المكون العسكري، الكيزان، الحرية والتغيير، تجمع المهنيين”.
المتابع للإستعداد القبلية ل”مليونية ذكرى ثورة أكتوبر” يلاحظ أنها خلت على عكس سابقتها من المواكب الدعائية التي كان ينظمها الثوار، أيضا المتابعات تكشف أن البعض حاول تخفيف حدة التوقعات من خلال إطلاق “هاشتاق” تبارى فيه ناشطون في دعم رئيس الوزراء “عبدالله حمدوك”.
المراقبون يشيرون إلى أن “تغريدة ترامب” الاخيرة المتعلقة برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب امتصت بقدر كبير غصب الشارع.
ويقول القيادي بقوى الحرية والتغيير وعضو المكتب السياسي بحركة حق “مجدي عبدالقيوم” أن الهدف الحقيقى ليس إصلاح مسار الثورة كما تزعم القوى التى تنادى بذلك بل محاولة لتعديل ميزان القوى لصالح اجندتها وسط مزاعم أنها مطالب جماهير الثورة والحقيقة أنها مطالبها هى ويضيف مجدي في حديث لـ() : “فى تقديرى تتغافل تلك التنظيمات عن المحددات التى تتحكم فى ميزان القوى بسبب الانطلاق من مواقف ايدولوجية محضة ولا أعتقد أن كل الشعب السودانى يتخذ مواقفه بناء علي مثل هكذا منطلقات”.
وأردف : “ربما كان بعض الأسباب موضوعية ولكن السؤال ما الذى منع هذه القوى من العمل علي تحقيق أهداف الثورة وهى تشكل الحاضنة السياسية للحكومة وبالتالي ترسم سياساتها؟” ويتابع: “الإجابة علي هذا السؤال تبين أن ثمة أهداف أخرى غير التى تتذرع بها هذه القوى وفى كل الاحوال الحشود والمليونيات لا تنجح بمجرد الدعوة لها انما بالاتفاق علي الهدف وهذا ما لا يتوافر في هذه الدعوة وأن استخدمت عنوانا براقا (تصحيح مسار الثورة) فهذا الشعار نفسه يطرح سؤالا هاما هو ما المسار المعنى؟ فما تراه انت مسارا صحيحا ليس بالضرورة أن اراه انا كذلك وفى تقديرى أن ٣٠ يونيو اخر المليونيات في المشهد السياسي الحالى ولن تتكرر مجددا فهى ستظل علامة فارقة فى التاريخ السياسي وحدث استثنائى لأسباب موضوعية مثل حالة استقبال المفكر الراحل الدكتور جون قرنق”.
ويعتقد “مجدي” أن ظهور أحزاب وتنظيمات تتبع لحرية والتغيير تدعو للتظاهر اليوم يدلل على تناقض هذه القوى وبرأيه؛ هى تريد أن تمارس دورا مزدوجا كحكومة ومعارضة فى أن معا، ويشير بأن هذا السلوك نفسه هو أحد أهم أسباب ضعف الأداء السياسي سواء علي مستوى الحاضنة أو الجهاز التنفيذى. ويختم حديثه قائلاً: “أن المشهد الذى يتشكل الآن لن يسمح بمثل هذا فالوقائع تقول أن الخارطة السياسية في سبيلها للتغير وستحدث عملية فرز سياسي فإما أن تكون معارضة أو حكومة وفى تقديرى أن المتغيرات لن تتيح لهذه القوى انتهاج سياسة العصا من المنتصف”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى