مقالات

من بعيد…

الشارقة : نعمات حمود
و على أصابع الجرح أعود لوطني العزيز و الشمس ترسل شعاعها الدافئ إلى أوصالنا التي أثلجتها الغربة، و أوهنها المسير خلف الأمن و السلام و الاستقرار، أفتح نوافذ الحياة ليتدفق الضوء و الحب في كل الفضاءات لقلوب تعيش خلف نافذة الليل في خشوع دموعها، تغتسل بآهات انهزامنا وخيباتنا، تعيش على أنصاف الممكن وتحكم بالكثير من المحال و الليل أعشى من ثقل كل هذا و ذاك ، و على أرصفة المنافي نجرجر جيوش همومنا و أحزاننا و عمر تثاقلته الأرض يتسارع فوق الزمن عبر بوابات السنين و ربيع عمر ترجل تتباطأ خطاه.. و الحصاد انهزام!! انكسارات لوطن أصبح مجموعة متناقضات ، انهزام لوطن كان إنسانه مثالا للأمانة و النزاهة و الشرف كان صادقا و نبيلا كان بناءً .. أين كنا وإلى أين صرنا ؟ تساؤلات لا أجد لها إجابة! ما الذي جعل إنسانا نبيلا مؤثرا يتحول إلى هذا الجشع و الغل و الحسد.. كيف تحول إلى مخادع و مضلل بل قاتل ومغتصب ؟؟ فالذين حكمونا ثلاثين عاما من القهر و الظلم الذين حولوا الحضارات العريقة الباهرة إلى خراب، الذين حولوا المساحات الخضر إلى محل و جفاف و تصحر.. هم نحن !! الذين صنعوا ثورتنا المجيدة ثورة ديسمبر بكل ما حملت من صفات و نبل حتى صارت أيقونة الثورات للعالم هم البسطاء والعامة. الذين يحملون هم الوطن ويجملونه .. هم نحن !! الذين اغتصبوا النساء وقتلوا العزل واعتقلوا وعذبوا…. هم نحن !! والأسوأ من كل هذا الذين قاموا بفض الاعتصام وقتلوا ما قتلوا و أزالوا تلك المعالم الخالدة بأطهر الأماكن (ساحة القيادة) و بكل ما تضج بأحداث حتى أصبحت تاريخا، حولوا يوم عيدنا إلى كابوس وكارثة لكل بيت… هم نحن !! تناقضاتنا وصلت إلى هذا الحد ..ذات الإنسان الطيب الذي يشرب ماء النيل و يمشى في أرض السمر هو نفسه الذي يفعل و فعل كل هذا ! هو ذات الرجل والأخ الذي يضرب شقيقته ألا تخرج متبرجة و ألا تذهب إلى أماكن الترفيه ليذهب هو برفقة حبيبته إلى ذات الأمكنة ! هو تلك المرأة التي تسهر لتربية و راحة أسرتها تجلس بطول النهار لبيع الشاي أو الكسرة أو غيرها هي ذات الخائنة التي تدس بين حبيبات السكر
تناقضاتنا …
و الشاي المخدرات و حبوب الدمار للشباب هي ذات الخائنة لزوجها مع زبائنها المتآمرة على بنات جنسها ، هي ذات الحبيبات اللاتي يتسكعن على ضفاف النيل يخادعن عشاقهن و أسرهن تتنظر الكثير منهن فكيف تحولن وأصابن هذا التغيير ؟؟ كيف حملنا كل هذه التناقضات و لمَ ؟ كيف تحولن بعد أن كان العالم يحتفي بنا لنزاهتنا لأمانتنا لنجاحاتنا بعد أن كنا مثالا للإنسانية فأصبحنا لا نعي غير (الحفر) لبعضنا لزملائنا لأقاربنا لأصدقائنا لأقرب الناس لنا، كيف صرنا نهدم ما بناه أجدادنا و من سبقونا، نهدم و طننا الجميل نقتل ساستنا و أحبابنا لا نجيد غير المؤامرات والدسائس ولا نحمل غير معاول الهدم ؟ كيف بالله؟ اجيبوني ؟؟اسالكم بالله كيف تبدل حالنا إلى ما صرنا إليه الآن و العالم من حولنا يتقدمنا سنين ضوئية و وطنا النبيل يعيش أسوأ أيامه تشرذم و شتات ومؤامرات و انفصالات على مستوى الدولة و الأسرة الواحدة كيف صرنا بلا مباديء و بلا قيم و بلا ذمم. كيف تحول السودان سلة غذاء العالم إلى جوعى و فقراء بل صار (سلة قمامة كبيرة) أرتال من الفضلات تحيط بمنازلنا وبيوتنا. و شوارعنا الجميلة. كيف عجزنا حتى عن إزالة فضلاتنا؟ فالقط يزيل فضلاته و يتخلص عبر حاسة شمه حتى عن آثار رائحة فضلاته الكريهة ! فكيف عجز إنساننا عن هذا ؟ كيف خدعنا الذين تنادوا من أجل السلام و ذهبوا للمحاصصات و تقاسمونا كفريسة سهلة بلا ضمائر ؟ أين نحن الآن ؟ و ماذا نريد و من هم أصحاب القرار و من هم ملائكة الرحمة الذين يرتجى منهم الخروج بنا من مأزق نعيشه الآن بلا خبز و لا ماء و لا كهرباء و لا تعليم في أرض تحيطها القمامة و الأوساخ.. بيئة لإنسان يجسد كل السوء و نفس يملاؤها الهم و الغم و الهلع من غد معتم لا أمل فيه !
فيا عزيزي القارئ..كل الأحباب.. ها أنا أطل من هذه النافذة شاكرة من منحوني شرفها أبعث النور لهم و أخشى على قلبي من الحزن العنيد لهذا جئت بالميعاد مطبوعا بحزني و مخاوفي برغم المواجع و الأحزان على وطن تشظى بنيران الحروب و الشتات و العنصرية و الفرقة.. جئت أقول لكل الأحباب كونوا يدا واحدة و قلبا واحدا و لسانا واحدا، يدا تبني لا تعرف الهدم. تلاقوا ..اضحكوا و افرحوا فإن الحزن مقيم فينا… و إن وطنا جميلا نرتجي منه الحرية و العدالة و السلام … و لا شي غير السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى