تحقيقات

(عجائز) يشكون عقوق ابنائهم… فلا احد يمسح دموعهم

يحتاجون إلى إشعارهم بمدى أهميتهم في المجتمع بعد أن هجرهم ذويهم…
مسن ينتحر خوفآ من ان يؤخذ لدار العجزة ويلفظ انفاسة بعبارة(احسن يقولوا مات بدل ما يقول اولادوه جدعوه)
خبرا نفسانيون: هناك تزايد في حالات الهجر والقوامة
مسن(يا بتي خلي القدح مستور والله في)
تحقيق:عرفة خواجة
من الواقع
قبل فترة قليلة ذهبت مع احد اقاربائي المغتربين لزيارة والده المتواجد باحد دور المسنين بالعاصمة للاطمئنان على صحته خاصة وان ابنه لم يقم بزيارته منذ فترة طويلة بسبب ظروف سفره وابتعاده عن البلد لسنوات طويلة ، فبمجرد ما علم المسن بقدوم ابنه انهمرت الدموع معلنة عن اشتياق حبس لسنوات طويلة وأن الاوأن لفك اسره ليعانق الامنيات التي تحققت بعد طول انتظار،ليقوم بعد ذلك زملائة بالغرفة بتهنئته ممازحه احداهم قائلا (يابختك اليلة في زول افتكرك وعقبالنا نحن ) وعندما اطلق ذلك المسن تلك العبارات كادت العبرة ان تخنقني من شدة ما شعرت من ألم وفي تلك اللحظة دار بخلدي عدة ايتفهامات عجزت ان اجد لها اجوبة شافية ،
مستقبل مجهول:
دور العجزة او المسنين ظاهرة غريبة في مجتمعنا ، إذ ما أخذنا في الاعتبار تعاليم الإسلام التي تحث على بر الوالدين، لكن رياح الانفتاح التي هبت علينا من الغرب حملت معها الكثير من الظواهر السالبة التي جعلت الابن ياخذ والده الذي قضي حياته في تأمين مستقبله الى الدار التي لا ترى فيه غير وجوه شاحبة سلبها خريف العمر وجحود الأقربين ملامح الجمال وبريق الحياة فأصبحت ذابلة تملؤها تجاعيد الحزن والحسرة، لا ترى فيها غير هياكل بشرية خاوية تركها الاهل في عالم العزلة ليغتالها اليأس والأحباط، فالاباء و الامهات أكل الدهر شيئاً من حيويتهم وترك بصماتهم الواضحة على وجوههم ورسم تجاعيد تنذرهم بخطر قادم لا محال وتغيرت صورهم الجميلة التي كانت في يوم ما يتباهون بها افنوا شبابهم ليقدموه هدية متواضعة لأبنائهم اعتقاداً منهم أن يقابلوا بالوفاء لما قدموه لفلذات اكبادهم لكن وللأسف الشديد وفاء بعض الأبناء تجاه والديهم بدأ بالتآكل وقابلوهم بالعقوق الذي لا يرضاه من يحمل من الإنسانية ولو شيئاً، قليلا ، عند ذهابي الى دار المسنين لمست معاناتهم وهم يترقبون قدوم فلذات اكبادهم لزيارتهم فهم لا يحتاجون الى االمأكل والمشرب والمأوى والاهتمام فحسب بل يحتاجون الى دفء ابنائهم واسرهم كي يقفوا بجانبهم لمجابهة ظروف الحياة معآ ولكن هيهات.
مشهد اول:
وعند دخولنا الى دار المسنين رغم انني في ذلك اليوم لم اكن على اتم استعداد للقيام بمهامي الصحفية حيث ذهبت في زيارة عادية ولكن مهنيتي لم تمنعني من رصد بعض المشاهدات التي لازالت عالقة بذهني، وهو نحيب احد النزلاء الذي وجدناه جالسا بحالة يرثى لها ويهمهم بكلمات مبهمة ، اقتربت وحاولت ان استشعر ما بداخله من خلال تأمل تقاسيم وجهه وتعابيره وتفاعله معنا، هنا رأيت وجهاً يعلوه الوجوم، سطرت الهموم والألأم والحزن ملامحه ، تعلوها ابتسامة بريئة وكأنها تريد أن توصل رسائل شكر وعرفان، أو حتى لوم وعتاب بطريقته المختلفة باختلاف حاله، والدمع في عيونه يكاد أن ينهمر،بيد ان يداه ترتجفان من شدة ألم فراق ابنائه الذين رموه في الدار منذ ثلاث سنوات ، وحالته النفسية سيئة لدرجة لم استطع اكمال اسئلتي التلقائية التي كان سببها الرئيسي هو الاطمئنان على حالته بعيدآ عن المهنية وودعني بابتسامة فائقة قائلا (ي بتي خلي القدح مستور والله في )
مشهد ثان:
وبعيون ملئها الشوق، ينظر أحد المسنين الى باب الزوار في انتظار زيارة أي احد من أقاربه الذين غابوا عنه منذ فترة طويلة، مما سبب له الكثير من الحزن، خصوصا وهو يشاهد أبناء وأقارب زملائه في المجمع أثناء زيارتهم لآبائهم خاصة وان معدل الزيارات يزيد في ايام العطلات الرسمية بمحاولة حقيرة منهم لرفع من الروح المعنوية لآبائهم،ولكن ليتهم يدركون الرغبات الحقيقة لوالديهم قبل فوات الاوان،و هي رؤية ابنائهم بجانبهم الى ارذل العمر .
مشهد ثالث:
وفي زاوية أخرى من الدار ترتفع ضحكات ثلاثة من كبار السن بعد جولة من لعبة (الليدو) ، والتي تقوم بكسر الروتين اليومي الذي يمرون به فتنسيهم معاناتهم للحظات يسترجعون فيها حياتهم حيث كانوا سعداء ولكن بعد مجيئهم الى الدار اندثرت كل المشاعر الجميلة التي يكنها البعض لابنائه ، حيث ذكر لي احدهم أن هدفهم من اللعبة ليس الفوز والخسارة بقدر ما يشعرون بالسعادة وهم يتحدون بعضهم بطريقة ودية لا يجدونها في الكثير من الألعاب التي يمارسها شباب اليوم
اباء ارحقهم الحنين:
وكان إلى جانبه مسن آخر، اختار الالتزام بالصمت الطويل، إلا من ابتسامات تنم عن شئ ما بداخله يريد أن يفصح عنه، وذكريات فيها آلام سنين قد مضت، ليبدأ بالحديث بعد إلحاح دام فترة طويلة ، أنه يبلغ من العمر (70) عاماً، ويسكن في هذه الدار منذ سنتين تقريبآ ، حيث كان في السابق يعمل في احد الشركات ولكن شاءت الظروف ان يحيل الى المعاش واثر ذلك اصبح مقعدآ في المنزل ويعاني من الملل و الوحدة خاصة بعد وفاة زوجته مما ساعد على تفاقم حالته النفسية والصحية الامر الذي جعله يطلب من ابنه المغترب اخذه الى دار المسنين لعله يجد من يأنس وحدته لتقضية وقت مليئ بالسعادة حسب توقعاته ،ولكنه لم يخطر بباله يوما انه سوف يعاني من الوحدة رغم وجود الأف المسنين بجانبه ، ليكتشف انه يعاني من اهمال ابنه الوحيد الذي استقر به المقام بالمملكة العربية السعودية ، ليطلق صرخات تنذر بقدوم ابنه في وقت وجيز لرؤيته قبل ان يفارق الحياة
اراء متباينة:
وفي استطلاع وسط المواطنين الذين ابدوا تزمرهم جراء هذه الظاهرة وارجعوا ذلك الى غياب الوازع الديني في المجتمع الذي ادى الى نكران الابناء لجميل والديهم والتفريط في واجباتهم تجاه ابائهم .
و قال الاستاذ “حسن الرشيد” ان ابتعاد الإنسان عن قيمه الإسلامية وغياب الوازع الديني في مجتمعنا أدى إلى نكران الأبناء لجميل والديهم والتفريط في واجباتهم وقد وضع الإسلام مكانة كبيرة للأولياء، وحذر من جحود الأبناء لهم أو عصيان أوامرهم، وأضاف في حديث ل(S.T) ديننا الحنيف يحثنا على العناية بالوالدين كما جاء في القرآن الكريم كما شدد الإسلام على واجبات الأبناء تجاه أوليائهم أن يحسنوا معاملتهم وينفقوا عليهم عند كبرهم ويردوا لهم ولو جزءا من الجميل الذي لا يساوي شيئا أمام التضحيات التي قدموها من أجلهم، ومهما كانت ظروفهم فيجب الاعتناء بوالديهم، وأن لا يوكلوا المهمة لغرباء يجدوا في كنفهم ما فقدوه في أولادهم الذين هم من لحمهم ودمهم، وأن لا يرموا بهم في المراكز الخاصة بالمسنين مهما فعلوا بهم، فلا يجب أن يتعامل معهم الأبناء، بالمثل
معايير دولية:
ومن ناحيته اعتبر البرفيسور واستاذ الصحة النفسية وكبار السن “علي بلدو” ان ما يوجد من دور عجزة بالسودان او كما يطلق عليه دور المسنين هي في الواقع نقاط تجمع واماكن لايواء في ظل غياب الكثير من المعايير الدولية والاشتراطات الصحية وضبط الجودة والتي تشكل غيابا تاما في مثل هذه المرافق ، وثمن ” بلدو” في حديثه (S.T)في ذات المنحى جهود العاملين في دور الايواء والذين يقاتلون في ظروف غير موازية من انعدام الدعم الحكومي وضعف الامكانيات بجانب انعدام الموارد وفقدان فرص التدريب الداخلي والخارجي جنبا الى جنب مع ضعف المرتبات والحوافز مما يجعل عملهم اقرب ما يكون الى التطوع والتقرب الى الله ، وهذا يعكس صفاء دواخلهم ونبل اخلاقهم ،
العش الفارغ:
وواصل بلدو حديثه ليضيف ان سن ال(65) تشكل الحد الفاصل للشيخوخة لتحديد من هو المسن والذي يصاب عادة بامراض الشيخوخة المعروفة مثل (الرطوبة والقاود وهشاشة العظام بجانب ضعف العضلات وقلة السمع والبصر ) وغيرها من متلازمات كبر السن ،وكما تصيبه ايضآ متلازمات نفسية مثل(الضجر والملل والشعور بالاكتئاب ومشاكل الاكل والنوم والاخراج ) كما يتجلى عنده مشاكل العش الفارغ حيث يتخلى عنه ان الابناء والبنات ويتركونه بمفردة او ينقلونه الى دار العجزة مما يصيبه بحالة نفسية سيئة تقوده الى الانتحار ، ويضيف “بلدو” ان الرعاية النفسية والصحية هي الحاسمة في تأقلم المسن في الدور الخاصة وعمل العلاج المصاحب مثل الرياضة والسياحة والايام الترفيهية بجانب الاعمال الجماعية وغيرها ، بالاضافة الى لم شمل الاسرة او على الاقل الزام افراد الاسرة لزيارات راتبة للمسن لدمجه اجتماعيآ ونفسيآ والخروج بالمسن للتنزه والزيارات خارج دور الإيواء وتوفير مكتبة وكتب ومجلات وهذا كله يساعد في تحسين البيئة الخاصة بالمسن ،
انتحار:
واضاف البرفيسور “علي بلدو ” ان هناك تزايد في حالات الهجر والقوامة وترك الابناء والبنات المسن واحضاره الى دور العجزة المعروفة وان كانوا مقتدرين على رعايتهم وهذا بسبب التغيرات الا جتماعية والضغوط الاقتصادية (وذكر بلدو حادثة احد المسنين الذي فضل ان ينهي حياته بدلا ان يذهب به ابنائه الى دار المسنين وذلك عندما سمع عن طريق الصدفة ابنائة يتهامسون حول ضرورة ايداعه دار المسنين ليجعل ذلك الخبر المشؤوم الوالد يدخل في انتكاسة نفسية سيئة قادته الى الانتحار ولفظ انفاسه الاخيرة بالمستشفى وهو يردد معقولة (احسن يقولوا مات بدل ما يقول اولادو جدعوا) لتنتهي حياته على ايدي ابنائه الذين قادوه بافعالهم الى الانتحار
راي الدين:
وبالمقابل قال الشيخ عبدالوهاب على ل(S.T) ، ان الإسلام عظم حق الوالدين، وقرنه بأعظم الحقوق: حق الله تعالى، ولم يرض لهما دون مقام الإحسان، فلا يجوز وضع الوالدين أو أحدهما في دور المسنين إلا إذا كان هذا برضاه وإذنه ورغبته، وبشرط أن لا يكون هذا الإذن بسبب الاضطرار من سوء معاملة الابن مثلا، فإن إذنه عندئذ لا يجدي شيئا. ولكن يكون ذلك بعذر يقبله الوالد كأن يكون الابن مضطرا للسفر، ولا يستطيع أن يترك والديه أو أحدهما بلا راع ولا من يقوم بشئونه، وهو يعلم أن والده لا يغضب لذلك، فيستأذنه فيأذن له، مع التأكد من أن الدار التي ستستضيفه ستقوم بخدمته ورعايته على وجه لائق وقال الله تعالى(اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا {النساء:36}
الدستور الانتقالي:
وحسب دستور السوداني لسنة(2005) ان الدولة تكفل للمسنين الحق في احترام كرامتهم وتوفر لهم الرعاية والخدمات الطبية اللازمة وفقاً لما ينظمه القانون كما تكفل الدولة للأشخاص ذوي الحاجات الخاصـة بكل الحقـوق والحـريات المنصوص عليها في هذا الدستور، وخاصة احترام كرامتهم الإنسانية، وإتاحة التعليم والعمل المناسبين لهم وكفالة مشاركتهم الكاملة في المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى