مقالات

شاهد عيان على زمن قبلي.. من أيقظ الغول؟..

✍️ محمد فرح وهبي

نشر في ديسمبر 2016م جريدة الجريدة، وموقع الراكوبة، وفي كتابي ( عناق لا ينتهي) تدوين. 

اللغةٌ تُقّسم نَفسها بعدالةٍ فائقةٍ بين أكثر مِن احتمال، فالحرف الذى نبدأ به كلمة الحُب هو نفسه من نُدشّن به عُهود الموّات والبؤس والنفيْ. هو ذاته من يقف بخيلاءٍ مُعرفاً معنى كلمة الحَرب.. ولتكتب عن تعقيدات مكان مُعقد، عليك بِحكمة حرف الحاء هذه، أن تكتب..تكتب فقط.
ما بين زمنين توزعت بينهما، لمحتُ وجهيّ في المرآة وأحببته، يُشبه وجوه من يملأون المدي من حولي، أنا لست غريبا.. زمن بدأ بصرخة ميلادي تلك بمدينة كسلا جنة شرق البلاد، وزمن آخر هو لحظتي هذه الموزعة على أكثر من مكان واتجاه، وبيقين واحد هو أن كل شبر في هذه الرقعة الموسومة بالسودان يعنيني لأنه ببساطة وطني، لأنها بلادي..
بدأتُ في تِلك السنة أنتبه وللمرةِ الأولى إلى تلكَ النظرة التّي وكأنها وُزعّت للتو على أهلِ المكَانْ. نظرة فاحصة، تفتيشية، مُباغتة، ولا تنتظر حتى دفوعاتٍ أو تبرير. من أي الجهات أنت، وأي قبيلةٍ وفخذٍ وبابْ ؟..وانفتحت نيران التصنيفات القبلية الحارقة، في كل الاتجاهات.
كان ذلك في بواكير العام 2007وكنتُ عملتُ بـ(راديو) المجتمع بولاية كسلا في السنة نفسها. مُعدًا رئيسياً لجميع برامجه. وهي إذاعةُ أسستها )اليونسيف) بحُجة دعم المجموعات القبلية هناك، لأجل نسيجٍ إجتماعيٍ واحدٍ متماسكٍ ومرنْ، في الحين نفسه.
يُخصِصْ (الراديو) خِدمةَ برمجتِه كالآتي: كلّ يوم يُعنَى بقبيلةٍ بعينِها، يُناقش قضاياها، يدعمُ قِيمَها الخاصة، يُحرضها على الحياةْ. كُنت أُعد البرامج باللغةِ العربية مُركزاً رسالتي على مُوضوعاتٍ عَامة: الأيدز،التعليم،المخدرات،تعليم وتقدير النساء.. زائداً الاشتِغَالْ على معلومات تثقيفية عامة.
استمر البثّ زُهاء مُوسم كامل كبرمجةٍ تجريبية، تُؤسّسُ بعدها إذاعة مكتملة للغرض آنفِ الذِكر. كانت البرامج تقدم بلغات القبائل المحلية، كل قبيلة لها مذيعها، يضع ورقة برنامجي المعد بالعربية أمامه ويقرأها مترجمة باللسان المحدد.
عقب انتهاء الفترة التجريبية وذات صباح كسلاويّ مُوغل في الورافة واللُطفْ، عُقد بفناء الإذاعة والتلفزيون كرنفالاً ضخماً بعُدةِ فقراتْ أهمها : المؤتمر الصُحفي بخصوص تقييم أداء الراديو ــ راديو المجتمع ـــ أمّه عددُ مُقدّر مِن الإعلاميين وزعماءَ عشائَر مِمَن استهدفتهُم خِدمة البث ووزير الثقافة ، بالإضافة إلى مسؤول رفيع في اليونسيف.
كان اجتماعاً ذا طابع إحتفالي. فُتحت أبواب النِقاشْ فأدلى الجميعَ بدلوِهمْ مُشِيدينَ بالإذاعةِ وبدورَها السِحريّ في تَعلِيمهم وتثقِيفهم بل وحَلحَلة جُل إشكالاتِهم الوجوديةَ المُزمنة. ابتسم الحضُور في رضاً وخبثٍ عَمِيقينْ.
ونظام الإذاعة كان يقوم على الآتي:
لكل قبيلة مذيعين بلغتها وأغنياتها وهمومها الخاصة والتي قد تتداخل مع هموم غيرها من القبائل هناك، وكانت وظيفتي الأساسية التعبير عن هذه القضايا ومخاطبتها عبر قوالب البرامج المختلفة بالتركيز على مواضيع بعينها مثل مرض الايدز وقضايا التعليم إجمالاً والصحة العامة، والمخدرات.كنت أضفت لهذه القضايا موضوع تعليم المرأة وحقها الأساسي في أن تكون في مستوى أفضل من الذى تحيا في ظله.

لاحقاً، وعقب نهاية فترة البث التجريبي وجدتني أطرح الأسئلة والتي صنفت باعتبارها مزعجة وغير ضرورية.. لماذا كل هذا الحرص على العزل وجعل أكثر الأماكن مرونة ومحبةً لأهلِها وللناس أجمعين، أكثرها غُربة عن نَفسِها وعن أي شيء ؟!!..كالذي يرفع هُلاماً أو شيئاً ما غير مُعرَّفاً بما يكفي، يرفعه في العدم ،عالياً يدور ويدور ويدور، يقرأُ عليه التعاويذ، تحجُبه عن أعّينِ النّاسْ ثم لا يحصد في نهاية الأمر غير اللا شيء.

وبعد مداخلات عديدة من الحضور في اليوم الاحتفالي لتقييم الفترة التجريبية، جاءت مداخلتي والتي كانت صادمة ربما بل وصاعقة، إذ قلت فيها : بعد التحية .. أنا محمد فرح وهبي، معد البرامج الرئيسي في هذه الإذاعة، وأؤكد بكامل مسؤوليتي بأننا قد فشلنا في خلق تعايش بين المكونات المختلفة، ليس لأنه صعب ومستحيل بل على العكس لأنه أعمق من ذلك فهو موجود وراسخ جداً وبديهي، وإن ما يحدث هنا بين هذه القبائل المختلفة من اشتجارات لهو بالأمر العادي والطبيعي من طبيعة الحياة نفسها وهي مشكلات حياة تحدث حتى داخل المنزل الواحد وبين أفراد الأسرة الواحدة، لقد فشلنا لأننا وبحسن نية خاطئة أيقظنا غول القبيلة والأنا داخل كل واحدة منهن، فشلنا لأننا قلنا باختلافهم ودعمناه أكثر من إئتلافهم والذي بسببه فقط عاشوا ويعيشون جبناً إلى جنب ولسنين طوال بكل قيم الحياة والإنسان..
ولأنني لم أقرأ في وجوه الناس هنا أثناء فترة البث وبعدها سوى الحيرة وعنف الاستنفار فيما يشبه التكتل، لذلك أقول لكم وبكل أسف بأننا قد فشلنا.
كلفني الموقف أعلاه كثيراً لقد حدث لي ما يشبه التشريد وأدار لي القوم ظهورهم ولم أعد معداً للبرامج بعدها، بل زاد الأمر حد تدبيج تقرير عجيب ومضحك، تقرير من ثماني كلمات: “محمد فرح وهبي، علماني وغير جدير بإعداد البرامج”.
وكانت النتيجة بالمقابل لمداخلتي أعلاه أنه لم تقم إذاعة بهذا الاسم بل اكتفوا بعدد ساعة يومياً باسم راديو المجتمع.
وبعد كل هذه السنوات حين أتامل تلك الفترة بإفادتي الفائتة وأقارن وفق معطيات الواقع الآن، يتأكد لي تماماً أن ما تم هناك وعبر فترات لم يكن في حقيقته سوى إمعاناً في العزل، بلغة وإشاراتٍ جديدة، لمكانٍ متداخل ومُشتبك ومفتُوحْ.. لقد أيقظنا غول القبيلة!.
كلّ قبيلةٍ تلعنٌ أُختها على الرغم من علاقات الدم والمُصاهرة وكُلّ شيْء. ثمّة سياسة طويلةَ النَفس غذّت شُعورهم بالتنافسِ وفتحتِ له البابَ واسعاً باعتباره شأناً خاصاً وفي خضم هذه العملية يغيب ما هو أهم: الوطن.. هذا الذى يجمعنا جميعاً ونحيا في رحابه.
لماذا مذيع لكل قبيلة وأغنيات وفترة منفصلة بالكامل تخصص لكل واحدة منهن؟.. وكي لا أبدو متعنتاً أقول بالإمكان أن تقدم فترة واحدة باسم راديو المجتمع وعبرها يكون تلاقي كل هؤلاء الناس، عبر نفس المذيعين تقدم الفقرات وعبرهم وبمشاركات مفتوحة دخل الاستديو وبالتلفون وتسجيلية، تسمع أصوات المتداخلين وكل مقدم برنامج يترجم السؤال الذى ورد بلسانه للغة عامية وسيطة تجمع كل هؤلاء، العربية يمكن أن تكون هذا الوسيط بحكم حياتي وتنشئتي هناك، أو أي لغة أخرى يتوافق عليها الناس وبصورة عفوية، أكثر لغة يستخدمونها.
وهكذا بفعل بسيط وصادق نكون قد قمنا بما هو أهم ليس تأكيداً للخصوصيات فقط إنما إذكاءً لروح المشاركة والهم الواحد وكسر الحواجز بين جميع الذين يقطنون في المكان، لأنه يسعهم حقاً، ولا يمكن أن يعمر باسم قبيلة واحدة على حساب الأخريات، وصولاً لشكل نهائي يعكس لهذا التنوع باعتباره كلٌ في واحد، دون نفي أو إرغام أو خوف. وهي عملية طويلة المدى يؤسس لها عبر مناهج التربية، وبرامج الإعلام والقوانين، وهي لا تتم في عام أو عامين بقدر ما أنها متواصلة ونتعهدها جميعنا بالرعاية جيلاً بعد جيل، ولأنه ومن طبيعة الحياة نفسها، أن نعرف بعض ونلتصق ببعض ونصيرُ بلاد ووطن ودماء ووشائج وأرحام.
لأن ما يحدث هناك فادح ونتائجه وخيمة، هذا بحكم معايشتي وعن قرب لواقع الحياة والمجتمع في المكان المحدد. جهات ما تستثمر في هذه التشظيات شكلها الأولي مركزي سياسي يشبه السياسة وعنفها الذى يدعم مثل هذه الأوضاع الإشكالية، السودانية نفسها كمُحددٍ للهُوية العامة يتم تأكيدها بمدى قُربك أو بُعدك عنِ النِظام الحاكم.
وهذه طبعاً صناعة سياسية رخيصة ومهلكة.. الانتماء يباع كصكوك الغفران، إما أن تقتربَ وتُعلن إنتماءك أو تُبعد وتُهمّش وتُضعف بالكامِل. هذه الجُزر المعزولة صُممت بعناية لضمان الولاء للنظام قسراً. الشعوب تُغيّر الأنظمة.. حدث هنا أنّ النِّظامَ سعى حثيثاَ لتَغيِير شعب بأكمله ليلائم أهواءه، وعبر مُساوماتٍ ماحقة في أمر لا يقبل المُساومة عليه.
في كسلا يتجلى هذا المأزق بِوضوح، أسبوعاً واحداً بالمدينةِ يُخبِركَ كيفَّ تنَّبني العلاقات وكيف تُدمّرْ أيضاً، كيف يصعدَ أحدهم في مقابل سِقوط آخرْ!.
وضعت معادلات السياسة أهل كسلا في قالب يماثل للحد البعيد قالب لعبة الكمبيوتر الأطفالية تلك، مُمسِكاُ المُشغلّ بيديه وفي الشاشة الضخمة التي أمامه وضع المكان وأهله باعتبارهم محض لعبة صغيرة، يلعبها باستمرار ليكسب مزيداً من الوقت.. صورة صادمة لا ريب، لكنها وبكل حدتها جزء صغير من مشهد أشد قتامة مما نتصور.
بلُغةِ السيفّ حُدِدّتْ البلاد، في عهدها الأخيرَ. وأضحّى بفعل بشرٍ “لنْ تضلّ الإشارةَ إلى كاملَ أوصافِهمْ وملامحهم” بحسب المؤرخ السياسي د. منصور خالد، مبدأ العزلْ هذا كامناً في الداخل، أعني الروح ذاتها في بقعة بعيدة هناك.. وهو الأمر الذى يمكن أن تقرأه كواقع حياتي رسمي في بلادنا بأكملها، لقد صارت ثقافة بل وطريقة للحياة.
يتجلى هذا المأزق في نظرتنا لبعضنا البعض في شعورنا ببعض كأن يُردد كثيرنا كل ما حدث حادث يفترض أنه وطني ويمسنا تماماً في دمنا وفي عصبنا الحي: (وانا مالي؟!.). كأن ما حدث في اتجهات البلاد المختلفة بدارفور أو النيل الأزرق أو كجبار وشهداء يناير ببورسودان، واعتصام المناصير الفادح في زمهرير الشتاء إلى آخر آهةٍ تُطلق بليلٍ ونَهارْ، كأنها مُشكلات في البعيد حدثت، وعلى أحسن الفروض شجار (جيران) وأهل، ومن العيب وعدم اللياقة والأدب أن نتدخل أو نقول أي شيء، ناهيك عن الفعل.
إننا عُزلنا تماما بعضنا البعض ولفترات طوال، عُزلنا عبر المناهج التعليمية، عبر الإعلام، الأغنيات وكلّ شيء، مهرجاناً خُرافياً للعزل ورقصاً أهوج علي جُثثِ المعزُولينْ. عزلاً بلغ حد الغُربة عن الذات، كأن نتحدث عنا نحن، عن السوداني باعتباره آخر: “ياخ والله السودانيين ديل عجيبين خلاص، كلو كلو ما بيطلعوا مظاهرات!.”. هل عايش أحدكم غُربة أكثر من هذه؟!.
فيْ كسلا وفي زمان مضي كانت تتداخل الأشياء بصورةٍ مُدهشة، يتماهى الناسُ مع المكانْ والمكان مع الناس لذلكَ هُم جميلُون.. تستطيع في أي مكان أن تُبصر إنسان كسلا من على بعدٍ سحيقٍ وتُميزُه من بين آلاف الوجوه. هُم إنعكاس للمَكانْ بجمالياتِه المُدهشة، سيماءهُم في وجوهِهِم من أثرِ المحبة.
وهرمونية ما انفكتْ تشتغلُ على مجموع أنغام تُعطي لحناً واحداً مُتناغماً، وما الاختلافَ هُنا إلا مُمَاثلة لتعدُدِ الآلات الموسيقية حِين تنفيذ لحنٍ ما، بصرامةِ (النوتة( وحِكمَتها: لكلٍ حقه في التعبير، ولكن بمقدار ما يُعبّر الآخرونَ عنْ ذواتِهمْ. فاللكمنجاتِ حِكمتَها في عملِ (الكنتربوينت) والإشتغال على )الميلودي) بشكلٍ كامل، وباقي الآلات مُوزعة بين الخطوط وعمل (الهارموني (أو التخطيطَ (لميدوليشن) وإن كان عرضياً و(الصولو) مُوزعاً بالتساوي حسب مِزاجيةِ اللحنّ ومداهُ الزمني. إذ أنه كُلّما ضاق مدى اتسَّع لَحن.
هُنا لكلٍ وظيفته المحددة، والهدف من كل هذه الإختلافات إنتاج صوت جديد واحد يُعبر عنِ الحياة.
تعرفت هُنا على القاص الإريتري عبد الرحيم شنقب، شنقب الماركسي الذي وحتى لحظتِنا الراهنة ينهمك في دعم البناء الاجتماعي في سبيل تحقيق حياة أفضل لشعبه، هو يُعبّر بالقِصةِ والأدبَ ومُوسيقى إبراهيم عوض ووردي، وآخرين، يحمل أُغنياتِهم في (كاسيت) من محل النوّرسْ في كسلا إلى )تسني) أولّ المدنِ الإريتريةَ يحتفي بها هُناكَ في البارات ومقاهي المدينةِ الطرفية، يُحجي بها التلاميذ. شنقب سفير بلاده الحقيقي.
أهلْ كسلا مُتمدنُونَ لأنهم يمتازُون بِرقَةِ المُعًاملة والشِعُور وعلى كثرةِ الأغنيات التي كُتبت في مدنٍ وأماكنَ، فإنّ الغناءَ لكسلا يحمِلَ سِرّ أنْ تتفاعلَ معهْ كما الغِناءَ للحبيبةْ.
في (دكاكين) المدينةِ العتِيقةْ لا تلمح سِوى صُورتين أثريتين تُعلقان بعناية على الأرفف، صُورتين لرجُلين تملأ ملامحهُما الهيبةُ والوقارْ، حتى لتخالَهُما إخوة تربط بينهُما وشائجِ الدمْ. صورةُ لرجلِ الدينْ والمُلهْم والمُربي علي بيتاي رضي الله عنه، وأُخرى لعميدِ الغناء السوداني الحديث الأستاذ أحمد المصطفى تغّشتْ قبرِيهَما الشآبيبَ الرِطابْ”.
كنت في طفولتي الباكرة، هناك فئ كسلا، أبصرت كل الوطن في هاتين الصورتين، إنها بلادُ شَادها النغمْ وحُلم الناسَ بالحُب والمُساواة. في ذلك التوقيت من عُمر الحياةَ، كتب الناس بلغةٍ واحدةٍ لُغة الأملْ، في أن يَصِيروا ويكوُنوا كما أرادوا. الآن وزعتُ نفسيّ بينْ زمانينْ وأماكنَ ووجوُه، إنّ ما يحدُثِ الآن عظيم، وغفلتَنا أعظمْ. هل صَارتْ مديِنةُ مثل كَسَلاَ مَكاناً عُنصرياً حقا؟. وكيف تَمْ ذلكَ، ومتى؟!.
في سفره الضخم الموسوم “بتاريخ وجغرافيا السودان” كان وبصورة خاطفة قد افتتح المؤرخ نعوم بك شقير، فصله الأول في كتابه، إذ كتب:
“مديرية كسلا ــ كسلا،القضارف، القلابات ــ عاصمتها كسلا. يحدها من الشمال خور اللانقيب وبئر تندرا ومن الجنوب حدود الحبشة بقرب القلابات ومن الشرق الإرتريا والحبشة ومن الغرب مُديرية سنار. وسكانها نحو 43 ألفاً من عرب وبجه”.
ويطل السؤال: هل بالإمكان وفي لحظتنا هذي أن نكتب تاريخنا بأنفسنا، تاريخاً يؤرخ للإنسان ويحفظ كل لحظاته، تاريخ للاحتضان؟.. لأن بلادنا حقاً بلاد هائلة الاتساع والتنّوُعَ ضاجةً بالأحداثِ ومنسية. تحولات كثيرة مُنذ ذلك الوقت الذي كتب فيه نعوم شقير وهو ـ كما هو معروف عنه ــ فقد كتب وفق رؤية وإرادة عليا لا تُبصر سوى مصالحَها ولا هم لها غيرّ أنْ تظلّ شمسَ امبراطوريتها ساطعة في تلك الأراضي التي يرفرف علمها فوق سمائها.
إنها حدودُ رُسمت وفق لغةِ الأرقام والمصالح، قَطعت ما كان متصلاً، وفتحت الجِهات على توزعها.. ولم يكن الإنسان في حسباتها سوى محض رقم عادي، رقم من الأرقام.. مع أن الواقع يقول بعكس ذلك، أنا هنا وهناك مُقسم بالتساوي كلحن أغنية بإيقاعين مُختلفين وكلماتٍ واحدة. والقوانين والنظم والأعراف تقول قولها أيضاً: أن تكون هنا يعني أن تصبح هنا أن تنتمي وأن يصير الهناك في ما وراء الحدود خيط واهن من حنين وشجن وذكرى.
لئلا نضطرب ونتشظى، لكل مكان مكانه لغته موسيقاه وقيمه التي لا يجب تجاهلها وعدم الإكتراث لها.
كيفّ يُمكن الانتباه لهذا التعدد ولهذه الامتدادات وترتيب كل شيء وفق قوانين جديدة، تُراعي الراهن الاجتماعي هذا وتؤسس على قيم الإحترام والتقدير، بعيداً عن مشهد الإستباحة التي يُغرقنا في ضوضائها وفوضى التصنيفاتِ القاتلةْ..هذا هو السؤال.

ـــــــــــــــــــ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى