منوعات

رحلة لمعقل الحضارة الكوشية … الدفوفة منتج سياحي لإستدامة التنمية بالولاية الشمالية

الخرطوم: احمدخضر
تعتبر منطقة “الدفوفة” الأثرية من أهم مناطق الآثار الموجودة في السودان وأبرز معالم الفترة الكوشية،والدفوفة تعني باللغة النوبية: “الأطلال” هي مركز تجمع حضري ضخم حول معبد كوشي كان مبنيا من الطين اللبن ، وتنقسم إلى قسمين: “الدفوفة الشرقية” وهي عبارة عن مدافن بيضاوية الشكل يرجح انها كانت مدافن للعامة ، و”الدفوفة الغربية” وهي عبارة عن بقايا صرح أو قلعة قديمة وغالبا كان هو قصر الحكم، ونحاول من خلال هذه الرحلة المثيرة نصحبكم ونحكي لكم عن السياحة بمنطقة الدفوفة وهذا التاريخ الحضاري السوداني القديم والذي يعتبر ملهما لوطننا وشعبنا
رحلة إلى مملكة كوش
بدعوة كريمة من منتجع (الدفوفة) السياحي لمصاحبة الوفد السياحي الأسباني الزائر للبلاد من اجل تنمية العلاقات الثقافية والسياحية والاقتصادية بين السودان واسبانيا قطعنا رحلة الخمسة ساعات و ال(550) كيلومتر ودخلنا لمدينة دنقلا منها إلى الدفوفة معقل الحضارة النبتية القديمة.
وتعتبر منطقة الدفوفة الأثرية من أهم مناطق الآثار الموجودة في السودان وأبرز معالم الفترة الكوشية،والدفوفة تعني باللغة النوبية: (الأطلال) هي مركز تجمع حضري ضخم حول معبد كوشي كان مبنيا من الطين اللبن ، وتنقسم إلى قسمين: “الدفوفة الشرقية” وهي عبارة عن مدافن بيضاوية الشكل يرجح انها كانت مدافن للعامة ، و”الدفوفة الغربية” وهي عبارة عن بقايا صرح أو قلعة قديمة وغالبا كان هو قصر الحكم.
ويقول مرشدنا الاستاذ “عياض ابراهيم” قد أسفرت أعمال تنقيب بعثة الآثار السويسرية في كرمة بقيادة البروفسور “شارل بونيه”، عن ترميم معالم مدينة متكاملة كانت عاصمة مملكة كرمة لأكثر من 1000 سنة منذ عام 2400 قبل الميلاد.
وبالفعل فقد شاهدنا تفاصيل مدينة جمعت بين قصور الملوك وبيوت أشراف القوم ومخازن السلع النادرة، في تصميم يتوسطه مبنى “الديفوفة” العالي الذي كان عبارة عن مركز ديني.
ويصيف “عياض” ان الدفوفة تقع على بعد حوالي 550 كلم إلى الشمال عن مدينة الخرطوم بالولاية الشمالية، وعلى بعد حوالي 40 كلم عن عاصمة الولاية دنقلة، تقع معتمدية “البرقيق” التي تشمل قرى “البرقيق” و”كرمة البلد” و”كرمة النزل”.
بهذه المنطقة تتمركز جل المواقع الأثرية التي شرع عالم الآثار السويسري “شارل بونيه” في التنقيب بها منذ 43 سنة. وأهم موقع هو ما يعرف “بالدفوفة” الغربية أو بقايا المدينة النوبية العريقة كرمة، التي أسست في عام 2400 قبل ميلاد “المسيح” والتي تطورت لأكثر من 1000 سنة كعاصمة للملكة التي حملت اسم مملكة كرمة.
ومدينة “كرمة” العتيقة التي تمكنت أشغال تنقيب الفريق السويسري لأكثر من 30 عاما بالكشف عن معالمها وعن تفاصيل حدودها كمدينة معقدة التركيب عايشت أهم المراحل من تطور مملكة كرمة.
وتعود أهمية ما عثر عليه “شارل بونيه” في مدينة كرمة كما يقول :(هو أن أغلب المدن القديمة عرفت بناء مدن حديثة فوق بقاياها القديمة، وبالتالي لم يعد ممكنا التعرف على أشكالها ومقوماتها وهندستها الأصلية).
لكن مدينة “كرمة” التي تبلغ مساحتها حوالي 600 متر على 700 متر، بقيت مغمورة تحت الرمال طوال هذه الفترة، ولم يكن بارزا منها سوى قمة ما يعرف اليوم “بالدفوفة” وهو بناء العالي من الطين اللبن يتعدى ارتفاعه 18 مترا.
ويشير “بونيه” الى “إنها عاصمة صُممت بشكل اصطناعي ليس كمدينة مزارعين أو رعاة، بل كمركز إداري لتسيير مملكة ممتدة الأطراف بها منازل الملوك وأشراف القوم”. وهذا ما يفسر تواجد بيوت كبيرة الحجم وبأشكال هندسية تختلف كثيرا عما هو معروف عن منازل السكان العاديين.
ونظرا لأهمية مدينة “كرمة” كمركز للمبادلات بين وسط إفريقيا ومنطقة البحر الأحمر ومعادن الذهب الموجودة شرقا على بعد 200 كلم وكردفان ومصر، تم تدعيمها على مر العصور بأسوار واقية.
ويتوسط المدينة مربع ديني، وهو ما يعرف بـ “الدفوفة”، يقول عنه “شارل بونيه” (إنه كان متعدد الاستعمال، ليس فقط كمركز ديني بل أيضا كمحل لتصنيع وتخزين السلع النادرة قبل تصديرها إما إلى مصر شمالا أو إلى الجنوب)
قبالة المربع الديني كان يوجد القصر الملكي الذي لم يكن مجرد مقر سكن الملك، بل كان يحتوي أيضا على العديد من الورش، إما لصناعة الفخار أو لنحت الحجر أو لتعليب السلع ووضع الصكوك عليها قبل تصديرها. كما اشتمل القصر الملكي على قاعة استقبال دائرية الشكل تشبه ما هو معروف في مناطق إفريقيا جنوبا، ولا يوجد مثيل لها في المناطق الشمالية.
وبما أن الكل كان فوق جزيرة يحيط بها نهر النيل، أضيفت قبالتها مدينة موازية يفصلها خندق احتوت على معابد لتقديس الموتى من الملوك وتقديم القرابين للآلهة. ويرى شارل بونيه: أن “مدينة كرمة تطورت من مدينة صغيرة خصوصا في فترة كرمة المتوسطة أو أثناء الإمبراطورية المصرية المتوسطة في حدود 2050 حتى 1750 قبل الميلاد”.
وقد اختار شارل بوني ترميم جدران هذه المدينة في احترام تام لمخططها الأصلي بعد الكشف عن جانب من جدرانها الأصلية؛ وهو ما يسمح برؤية معالم المدينة بمختلف مكوناتها من خلال جدران ترتفع بما بين 40 و60 سنتمترا عن سطح الأرض. ويقول “شارل بوني: (اخترت ترميمها بنفس التقنية المستعملة للطين والطوب لكي تكون واضحة للزوار)
منتجع “الدفوفة” تنمية سياحية
ويعتبر منتج “الدفوفة” السياحي الملحق بالمنطقة الأثرية عنونا للتنمية السياحية المستدامة بالمنطقة حيث تم بنائه وتصميمه ليحاكي القلعة الكوشية التي كانت موجودة من قدم الزمان وتم نقش كل الرموز والرسومات والجداريات لتنقل الزائر لسبعة الف سنة قبل الميلاد لكي يعيش الزائر تلك اللحظات التاريخية القديمة وكيف كان يعيش الكوشيون العظماء.
ويحتوي المنتجع على نزل للزوار وكذلك مطاعم وكافتريات بالاضافة الى توقر الجولات السياحية مع الادلاء السياحيين المدربين والمؤهلين الذين يقدمون للزائر كل المعلومات عن هذه الحضارة.
ولا يكتف المنتجع فقط بذلك بل يسير رحلات بالمراكب الشراعية على نهر النيل العظيم لمشاهدة تلك الضفاف الخالدة وهذا التنوع البيئي والحضاري في ثنائية النيل والصحراء على ايقاع حضارة إمتدت لسبعة الف سنة.
الإسبان مذهلون من “الدفوفة”:
وقد شاهدنا دهشة وزهول كبير وسط الوفد الاسباني الزائر حيث بدا ذلك من خلال تعابيرهم ووجوهم التي كانت تعبر عن الرضاء والامتنان للقائمين على هذه الرحلة وهم يرددون عند اي مشهد يرونه “مريفيلو” “دسكرجي” “مليرغوس” وتعني مذهل وجميل ومعجزة باللغة العربية بعدما سألنا بعدها “مارتينيز” مدير الوفد الاسباني والوحيد الذي يتحدث الانجليزية عن معني هذه الكلمات فقد ترجمها لنا باللغة الانجليزية لننقلها هنا للعربية “مارتينيز ” والذي كان انيسنا في الرحلة قال انه لم يكن يتصور ان السودان بلد بكل هذا التنوع والثراء الثقافي والحضاري والتراث العظيم الذي تحويه هذه الاطلال.
واضاف انه ومنذ وطئت قدميه مطار الخرطوم ظل يلقي الترحاب والبسمة حتي وصل لهذه المنطقة واوضح انه قرأ وسمع كثيرا عن السودان ونهر النيل العظيم وكان متشوقا لرؤيته وان ما شاهده يفوق كثيرا ما قرأ وسمع.
وفي اليوم التالى عبرنا الى مروي والبركل في طريق عودتنا للخرطوم وظل منتجع “الدفوفة” السياحي عالقا في أذهاننا بما قدمه من عمل مميز ومشرف يرفع الرأس عاليا امام زوارنا وضيوفنا من خارج الوطن
ان منتجع “الدفوفة” بالولاية الشمالية يعتبر واحدا من مراكز استدامة السياحة وذلك بما يتركه من انطباع لدي الزائرين الاجانب او الوطنيين بما يقدمه من خدمات سياحية راقية بالاضافة الى فتحه لعدد كبير من الوظائف لشباب كرمة والبرقيق في تنمية انسان المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى