تحقيقات

المرضى النفسانيون في الشوارع …خطر يمشي على قدمين

علي بلدو: أتوقع تفاقم المشكلة في ظل الغياب التام للجهات المختصة

طالبة: تم اغتصابي من قبل مختل عقليا واصبحت سيرة على السنة الجيران

تحقيق : عرفة خواجة
أجهشت (س) بالبكاء ودخلت في حالة هستيرية ولم تفق من هول الصدمة، فما حدث أكبر من أن ينس ، فقد تعرضت للاعتداء الجنسي من قبل أحد المرضى نفسياً الذي يمكث بنفس منطقتهم، تقول(س) وهي تحكي بمرارة عن ألم وجرح يظل يرافقها مدى الحياة ، قائلة: في ذلك اليوم المشؤوم ذهبت الى صديقتي التي تسكن معي بنفس المنطقة ومجرد دخولي الى المنزل قام شقيقها بالهجوم عليّ وحاول اغتصابي إلا أن صديقتي صرخت وتجمهر عدد كبير من ساكني المنطقة وتم انقاذي منه بعد معاناة عصيبة وكاد أن يقضي على حياتي ، وعندما عدت الى منزل أسرتي أخطرت والدتي بالحادثة وهي بدورها أصرت على تدوين بلاغ في مواجهة ذلك الشخص المعتوه إلا أن أسرة صديقتي قد عاجلوا بزيارة الى منزل أسرتي واعتذرت بالنيابة عن ابنهم وتعهدوا على عدم تكرار ذلك من قبل ابنهم ، وبتدخل الاجاويد تم تدارك الوضع وحل الاشكالية بطريقة ودية خاصة وانني لم اتعرض الى اغتصاب كامل ، وعللت أسرة الشخص ذلك بأن ابنهم كان قد هرب لتوه من احد المستشفيات الخاصة بالمرضى النفسانيين وتم ارجاعه الى المستشفى بعد الحادثة مباشرة ورغم ان الحادثة انتهت إلا أن محاولته اغتصابي أصبحت سيرة يلومها الجيران مما أدخلني في الحرج.
رعب وقلق:
تلك الحادثة التي رويتها لكم هي لب الحقيقة ، حدث ذلك في ضواحي احد المناطق الطرفية بالحاج يوسف ، ونجد أن بعض المرضى النفسانيين يجوبون الشوارع والطرقات من دون رقيب ولا عناية من احد على الرغم من وجود مستشفيات للصحة النفسية متخصصة، بل كثيراً ما يتسببون في افتعال الاشكاليات المتمثلة في الاعتداءات باشكالها وجرائم القتل والاذى الذي يتعرض له المارة بالشوارع والاسواق ، وأثارت تلك الحوادث القلق والرعب في نفوس المجتمع وباتت هناك حالة من الفزع تجاه هؤلاء الذين يجوبون شوارع العاصمة ، وتتصاعد اعدادهم يوماً بعد اليوم، وفي احصائيات رسمية حديثة من منظمة الصحة العالمية أن المرضى نفسياً وعقلياً يشكلون أكثر من (20%) من سكان العالم ، وأن ثلث البشر مصابون بالتوتر والقلق ، فبرغم من تزايد اعداد هؤلاء إلا أن الخدمات النفسية لاتزال هزيلة منذ فترة طويلة كادت ان تصل الى نصف قرن ، وأن برامج الوقاية النفسية ظلت متغيبة تماماً في الاستراتيجية الصحية بالبلاد ، مما يجعل الوضع النفسي لا يحظى بالاهتمام والتعامل مع عوامل الخطورة المبكرة ، وقطعاً أن هذا سيتسبب في زيادة معدل المرضى نفسياً.
من الواقع
ولعل قصة الأستاذ (ط،أ) الذي تم اخراجه من احد المستشفيات النفسية بعد رحلة علاج طويلة قاربت على العامين ، حيث أثبتت التقارير الطبية أنه تماثل للشفاء ، وتم ترحيله الى منزل أسرته ليقوم في الاسبوع الاول من عودته الى المنزل بتسديد طعنات قاتلة الى والديه أدت الى وفاتهما في الحال، وذلك بعد أن تعرض الى نوبة عصبية ونفسية ، حيث أن الشخص المذكور قد عاد في ذلك اليوم الى منزل أسرته في تمام الساعة العاشرة مساء ، عندما وجد والدته تقوم باعداد وجبة العشاء لاطفال ابنتها ، وعاجلها بطعنة قاتلة من الخلف وعندما التفتت اليه عاجلها بطعنة اخرى في عنقها مما أدى الى سقوطها مغشياً عليها وعندما حاول والده انقاذ والدته شرع بتسديد عدة طعنات له في انحاء متفرقة من جسده توفى اثرها .
عجز في الخدمات:
عدّد الأستاذ “الهادي عربي” ظاهرة وجود المرضى نفسياً في الشوارع الى جهات متعددة ، اهمها الصحة والشؤون الاجتماعية وأوضح أنها ظاهرة اجتماعية عالمية موجودة في جميع بلدان العالم ، ولكنه سرعان ما تراجع وقال : ظاهرة تواجد المرضي نفسياً خارج أسوار المستشفيات المتخصصة السبب الرئيسي فيها هو عجز الخدمات أمام واقع الامراض النفسية ، وعدم وجود مراكز تأهيل نفسي بالدولة زاد الأمر سوءاً، وساعد في انتشار الجريمة وسط المجتمع ، بجانب الاعتداءات المختلفة على المواطنين والممتلكات ، وحمّل “سليمان” الجهات المختصة مسؤولية حماية هؤلاء لأنها تتجاهل التزاماتها تجاه هذه الفئة التي من المفترض أن تعامل بحذر واهتمام ، وقال هناك قصور قي بعض الانظمة التي تقدم الخدمة لهم.
وضع إنساني مؤلم:
في ذات السياق قالت “سهير احمد مكي” إن المرضى نفسياً من أخطر الظواهر التي تنامت في الفترة الاخيرة ، وتمثل وضعاً إنسانياً مؤلماً وخطيراً في نفس الوقت وذلك من خلال تصرفاتهم التي تلحق الضرر بهم وبالآخرين على حد سواء ، وأوضحت ل(S.T) أنه يجب على المسؤولين إنشاء مستشفى لتجمع هؤلاء بغرض علاجهم ، واضافت أن هناك عدداً كبيراً من المرضى نفسياً يعتبرون قارعة الطريق مخبئاً سرياً للنوم خاصة في فصل الشتاء وذلك الوضع يمكن أن يؤثر على صحتهم ويؤدي بعد ذلك الى وفاتهم نسبة لتعرضهم للبرد القارص، مؤكدة بأن هؤلاء سيقومون بالاعتداء على المارة والمترددين الى اماكن تواجدهم ، وطالب الجهات المختصة بشن حملات تشملهم وايداعهم في مستشفيات متخصصة ، مشيرة الى أن هذه الظاهرة تحولت الى صداع مزمن بالنسبة لاولياء الامور بعد قيام احد المرضى نفسياً الهجوم باحد تلميذات المدارس واثارة الفزع بين اطفال المدارس والمارة بالشوارع ، نجدهم ينتشرون امام المقاهي الموجودة على الطرقات بالاضافة الى المنتزهات والاسواق مما يؤدي الى حالة من الخوف والفزع وسط المواطنين دون تدخل من الجهات المختصة .
هجوم بالة حادة:
طالب عدد من المواطنين الجهات المنوط بها التصدي لهذه الظاهرة بعد أن أصبحت تمثل مظهراً غير حضاري بشوارع العاصمة وذلك لقيام المرضي النفسانيون باثارة الفوضى والرعب للاطفال ، وعلى رأسهم شيخ الدين اسحاق الذي تعرض لهجوم بآلة حادة من الخلف عندما كان في طريقه الى عمله من قبل احد المرضى نفسياً، حدث ذلك عندما كان ذاهباً الى عمله ولولا العناية الالهية لكان فارق الحياة، وتساءل شيخ الدين لما يحدث قائلاً: أين الجهات المختصة ومسؤولي الصحة؟؟؟ للمحافظة ورعاية هؤلاء المرضى الذين اصبحوا خطراً على حياة المواطنين وأولياء الأمور، حيث يوجد كثير من المرضى متراصين أمام المدارس بصفة مستمرة .
قنبلة موقوتة:
فيما يرى البرفيسور “علي بلدو” ان المرضى النفسانيين المنتشرين في الشوارع هم قنبلة مؤقوته بدأت فعلاً في الانفجار منذ فترة طويلة ، ويعود ذلك الى انتشار الأمراض النفسية وثقافة العيب والوصمة، بالاضافة الى عدم وجود مواعين كافية لاستيعاب هؤلاء المرضى ، جنباً الى جنب مع تقاعس الجهات المختصة والرغبة الثاقبة من الوزارة والجهات المنوط بها حل هذا الاشكال ، ولا يتوقف الامر عند هذا الحد بل يتجاوزه الى ارتفاع قيمة العلاج والادوية والتنويم ، حيث يعد مجال الطب النفسي والعصبي من أغلى المجالات الطبية ، ويواصل المختص النفسي في حديثه ل(S.T) ليضيف أن أهم الامراض المؤدية الى هذه الحالة (التشرد) بالشوارع والادمان وانفصام الشخصية على قمة اللائحة يليه الاكتئاب والاضطراب والتخلف العقلي بالاضافة الى مرض الخرف والزهايمر وبعض الحالات أكثرها ذو المنشأة الصدقي والاكتئاب النفسي والاضطرابات النفسية .
تدمير ممتلكات:
وبحسب بلدو فإن هؤلاء المرضى يتحولون الى ظواهر سالبة نسبة لتعري الالفاظ الخادشة والتحرش والاعتداءت التي قد تصل الى تدمير الممتلكات واشعال النيران وكذلك القتل، وأردف أن هناك حادثة قتل بخصوص احد المرضى النفسانيين حدثت منذ وقت طويل ولكن لازالت تلك الحادثة راسخة في ذهنه وهي ( ان احد المرضى المنتشرين بالشوارع قام بالتهجم على أسرة تقوم بالتنزة في احد الحدائق العامة ليقوم بقتل الزوج والزوجة وثلاثة من الابناء والبنات قبل ان يتم التحكم به من قبل أفراد الشرطة .
حلول عاجلة:
واختتم بلدو حديثه لـ(لنا) ليعبر عن بالغ سخطه وحزنه وفقدان الامل بالجهات المختصة، مبيناً ان الحل يكمن في استيعاب كوادر طبية وتضمين منهج الصحة النفسية وكذلك إعفاء ومجانية العلاج النفسي تماماً من أي تكاليف واستثناء المراكز النفسية والمستشفيات من لوائح المحاسبة المالية والخدمة العامة من أجل تقديم خدمة متميزة للكثير من المرضى بالشوارع ، وتوقع الخبير النفسي تفاقم المشكلة في ظل الغياب التام لأي تحرك حقيقي من أجل معالجة تلك الظاهرة ، وأضاف هناك تزايد في عدد الاعتداءات من هذه الفئة بصورة خطية.
عقوبات رادعة
وفي ذات الاتجاه قال المحامي والمستشار القانوني “آدم بكر” :إن حماية المرضى النفسانيين من واجبات الدولة ولا تترتب عليهم عقوبات قانونية في حالة الاعتداءات التي تحدث من جانبهم ، ولكن يتعرض الشخص المعتدى عليه للمساءلة القانونية .
قانون الصحة النفسية 2011
وحسب قانون الصحة النفسية للعام 2011 المادتين (5،6) انه لابد من دخول المريض النفسي للمرافق الصحة النفسية لتلقي العلاج ، وذلك بهدف توفير أفضل الخدمات وتطويرها بما تتيحه الموراد من الرعاية الصحية النفسية والمعالجة والتأهيل،بجانب تحديد حقوق وواجبات المريض ومدى حاجته للرعاية الصحة النفسية ومسؤولية مقدمي الرعاية الصحية النفسية ،بالاضافة الى توفير الرعاية الصحية النفسية للمرضي نفسيا الموجودين داخل مرافق الصحة النفسية
المرضى غير المؤهلين للمثول أمام المحاكم أو إدراك أفعالهم الإجرامية .
السجناء المصابين بعلة نفسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى