ثقافه

الكيرتي و دورتو”.. طقوس وعادات عند قبائل النوبة

مابين التكفير عن الذنب وفك الحداد...

 

*محمدنياتو:الكجور يوصي الصيادين بعدم صيد أي حيوان حديث ولادة أو حامل أو مهاجمة طائر في عشه.

*كان الأونشو يعتقدون أن الموتي (خاصة بكبار السن) و عملية الدفن اشبه بطريقة الإهرامات.

*الوشم عند الفتيات : يدل علي التعبير عن تخطيهن مرحلة العذرية أو البكورة إلي مرحلة النضوج والانجاب.

الخرطوم:عرفة خواجة
ليس بالغريب ان قبائل جبال النوبة لها ارث وتاريخ حضاري وعادات من النادر نجدها في المجتمعات ، باعتبارهم ينتسبون الى ابناء ملوك وحضارة تعود تاريخها ل( سبعه الف سنه ) ، وهذا الامتداد الطويل ترك للاجداد ارث وثروة حضارية كبيرة تتمثل في القيم والعادات والتقاليد ، ونجد ان المجتمعات النوبية تشترك في طقوس الكجور وطقوس موسم الحصاد ولكن تتباين طرق اداء هذه الطقوس وفتراتها ،وان الشهور النوبية هي شهور قمرية ونود ان نستعرض هذه الشهور عند كل قبيلة علي حدا ونبتدر بقبيلة “الانشو” التي لها ارث ثقافي وتاريخ عريق، جلسنا الى محمد نياتو احد المهتمين بشان ثقافة “الانشو ” ليحدثنا عن عادات وتقاليد القبيلة بجانب بعض “الطقوس” التي ارتبطت بها.
طقس “الكيرتي”:
هو عبارة عن طقس تكفيري عن ذنب معين كالقتل بجميع انواعه ، حيث هناك انواع معينة من الحيوانات ان تم قتلها وجب علي الشخص القاتل ان يقم بهذا الطقس للتكفير ، بجانب الاجهاض ومخالفة نظام معين في المجتمع بالاضافة الى اتيان المحرمات مثل الزنا وغيره ، و في هذا الطقس يجب الامتناع عن حلق الراس واتيان الزوجة ، والامتناع عن استخدام الدهانات عموما ، وينتهي هذا الطقس ببداية شهر “ايكانيرتي” الذي يعتبر شهر التحلل من الاحرام والحداد على الموتي.
طقس”اومور”:
وهو طقس الصيد وله فترتين تمتد من شهر (مايو-يونيو)وهذه شهور ترتفع فيها درجة الحرارة لتصل مدي عالي ، الفترة الاولي يخرج الشباب لممارسة الصيد بطريقة عشوائية ، وثم تأتي الفترة الثانية التي تكون تحت رعاية الكجور(زعيم القرية الروحي ) وفي هذه الفترة يتم نفخ القرن، وهو الة تنفخ ليجتمع الناس بصورة رسمية ومن ثم يأتي الكجور لمباركة الشباب و يعلن الخروج الي رحلة الصيد التي تمتد لمدة يومين ، حيث يوصي بعدم قتل اناث الحيوانات التي لها صغار ، بجانب عدم قتل الطيور ، وفي نهاية فترة الصيد يتم الاحتفال بواسطة الحكامات والاهالي ومن ثم يبارك الكجور الصيد ، ويعلن منع الصيد نهائيا باستثناء حيوانات معينة كالارانب.
طقس”دورتو”:
وهويعتبر جزء من طقس الكيرتي ويقصد به الصيام عن تقاليد معينة وعدم تناول بعض الماكولات كاللحوم ويتم فيه تناول منتجات الالبان فقط، مما يدل على ان الصيام في السابق كان موجودا ولكن ليس بمعدل شهر كامل في العام ، بل يكون ايام قليلة .
ايكانيرتي”:
واخيرا يأتي شهر “الإيكانيرتي”، الذي يعتبر شهر فك الحداد بالنسبة للذين رحلوا في العام الماضي، وهو باعتباره فترة تحلل لكل المحرمات ، وايضا هو الحد الفاصل لكل الذنوب ، و عادة “الإيكانيرتي” أو جدع النار تنبع أهميتها في أنها فترة منعرج… إذ يتم فيه وداع الخريف وإستقبال الربيع وهو بحد ذاته شهر إبتهاج بإستقبال إنتاج جديد من المحاصيل… وإجتماعيا يعتبر شهر التحلل من الإحرام والحداد علي الموتي…!
فقد كان أجدادنا في بداية هذا الشهر يبدأون في تعيين أسابيع إنهاء فترة الحداد علي موتاهم الذين توفوا في الفترة التي أعقبت شهر “الإيكانيرتي” او اكتوبر في العام المنصرم… فحسب العادة والطقوس إنه إذا توفي شخص يبدأ الحداد عليه حتي حلول شهر “الإيكانيرتي” فتتحلل أسرته من الحداد عليه… ولذلك كان بعض الآباء عندما يغضب على بنيه يدعو قائلا( ليت الله يتوفاني بعد الإيكانيرتي مباشرة) … وذلك حتي يرهق أبناءه بطقوس الحداد عليه عاما كاملا… أما الآباء الذين يرضون عن آبنائهم فكانوا يدعون قائلين( ليت ربي يتوفاني قبل الإيكانيرتي بيوم)… فعند ذلك يكون الحداد عليه يوما أو بعض يوم وتتحلل ،فالناس يكونون قبل شهر “الإيكانيرتي” محملين أحزانا وأوزارا إذ يكن هنالك من فعل فاحشة في الأشهر الحرم الفائتة وأصبح ينفذ عقوبة بطقس يسمي “كيرتي” أي تحريم بعض المأكولات أو حتي حظر الإختلاط بالناس… وهنالك من أقدم علي صيد بعض الصيد المحرم كالأسود والزراف فأصبح يرزأ تحت نير الحظر الطقوسي…!
إذن كل هؤلاء في حوجة لحلول شهر “الإيكانيرتي” للتحلل من المحظورات والعودة إلي حياتهم الطبيعية….!
طريقة طقوس “الايكانيرتي” شهر(10) :
في صبيحة يوم “الإيكانيرتي” يقوم الجميع مبكرا ويوقدون نارا من الحطب وعند إشتعالها يأخذ أي فرد من الأسرة عودا من الأعواد المشتعلة ويقف في منتصف باحة الدار( الحوش) ثم يلقي بالعود المشتعل بقوة إلي خارج الدار قائلا( خذ آثامي وأحرقها بهذه النار) … وهم بهذا كأنما يسألون الله حرق أو غفران ذنوبهم وآثامهم التي إقترفوها في فترة العام الذي إنقضي…!
بعدها يجتمع الكل في الدار رافعين أصواتهم بالعويل والبكاء علي موتاهم خلال العام في طقس يسمي “أونجول أوتيتيه” أو إرسال الثكل( البكاء على الميت) ويشبه ذلك عادة التأبين السنوية ، أو الحولية لدي الطرق الصوفية… وقد يخرج أهل الدار ويذهبون لجيرانهم إذا كانوا من الأقارب ليبكوا علي موتاهم وهكذا تسمع صوت البكاء في كل القرى في ذلك اليوم…!
وعند إنتصاف النهار تهدأ الأصوات ويبدأ الناس في الدخول “للجبراكة” أي المخزن الذي يحفظ فيه الحبوب والذي يطلق عليه الاهالي “الجبراكة”،وإحضار بعض المنتوجات الزراعية الجديدة ويبدأون في تذوقها إيذانا بفك الحظر الإقتصادي( الذاتي) وهنا يتركون الأطفال يدخلون “الجبراكة” ويأكلون من خيراتها بعد أن كانوا يمنعونهم طيلة الشهور الماضية…!
بمجرد إنهاء “طقوس” جدع النار تبدأ الأفراح والأعراس وختان الأطفال وربما الختان الجماعي للشباب في تقليد يسمي “الكاليري” أو( الشباب الجدد)….!
ويعقب هذا الشهر شهور يتجرع فيها الناس كؤوس البهجة والسرور… فهنيئا لهم بها.
الوشم على الجسم “كيلى”:
الوشم أو الرسم علي الجسم من الموروثات والطقوس التي لازال يمارسها البعض ، ويتم عن طريق الإبر أو الآلات الحادة وعمل زخارف وأشكال هندسية علي الأجسام هي تقليد إفريقي تليد مارسته الشعوب الإفريقية منذ القدم وإختصت كل قبيلة بنوع خاص من الوشم والشلوخ علي الخدود…!
ربما كان هذا التقليد إجباريا في الماضي كنوع من الطقوس خاصة عند النساء للتعبير عن تخطيهن مرحلة العذرية أو البكورة إلي مرحلة النضوج أو حتي مرحلة الإنجاب حيث كانت هذه الوشوم تجري للمرأة البكر الحامل قبل أن تضع مولودها الأول فيوشمون ظهرها وبطنها في شكل مفصل كالقميص…!
نلاحظ في عصرنا هذا إنتشار ظاهر الوشم بشكل كبير خاصة عند الشعوب ذات البشرة البيضاء ولكن بشكل وخز على الجلد بمواد كيماوية تترك أثارها الملونة في شكل رسوم وصور لحيوانات وزخارف مختلفة…!
أما الشعوب ذات البشرة الداكنة ونسبة لعدم إمكانية وضوح هذه الرسوم فإكتفت بالوخز علي سطح الجلد لترك دمامل وجروح صغيرة ملتئمة…. فحقا أن الثقافة القوية تفرض نفسها في مختلف العصور وإن إستهان بها البعض يوما…!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى