مقالات

القراي نحروه أم انتحر

آفاق جديدة

فتحي حسن عثمان

آثار تعيين دكتور القراي كمدير للمركز القومي للمناهج والبحث التربوي لغطا وزوبعة شديدة ليس لكون الرجل يحمل فكرا يبدو أنه يتصادم مع غالبية أهل السودان( الفكر الجمهوري ) فهناك عديد من المدارس الفكرية والسياسية دخلت على المجتمع السوداني وتعايش معها لكون طبيعة وتركيبة المجتمع السوداني متسامحة وآفاق التدين السليم ترتكز على قوله تعالى{ لكم دينكم ولي دين} وتاسيسا علي ذلك شاع المثل الشعبي( كل شاة معلقة من عصبتها ) إذا من ناحية التعدد والتباين الفكري والسياسي لم يكن هناك مسوغ موضوعي للمطالبة بعزل القراي من منصبه ولكن هناك جوانب أخرى متعلقة بكيمياء الرجل وطريقة تعاطيه وتفاعله مع المجتمع السوداني والشأن العام السياسي والفكري والثقافي والمعرفي في السودان فالوظيفة هي وظيفة إدارية في المقام الأول وفنية في بعض جوانبها القليلة فالمناهج تضعها لجنة فنية متخصصة قوامها الكفاءات من التربويين والأساتذة والمعلمين من مختلف المراحل الدراسية والتعليمية فهم إلي جانب تعددهم وتنوعهم المعرفي في مختلف ضروب المعرفة والعلم فإنهم بطبيعة الحال يمثلون مدارس فكرية وسياسية متباينة تضم الطوائف و الأديان والمعتقدات الدينية والفكرية فالقراي لا يستطيع ان يتدخل فى عمل لجنة من اللجان العاملة فى وضع منهج من المناهج التعليمية والتربوية ولكن بطبيعة تكوين شخصية القراي ذات نفسه اخذ مهام كل لجان المناهج الدراسية والتعليمية والتربوية وأخذ يتحدث مستبقا الجميع بأنه سيفعل كذا وكذا وأن المادة كذا تمثل عبء على التلميذ فلابد من تخفيضها وانقاصها فالقراي مربوط في اذهان أهل السودان بتعصبه للفكر الجمهوري فربطوا بين افكاره وشخصه ووظيفته هؤلاء هم عامة أهل السودان اما فلول النظام المباد والجماعات الإسلامية التي كانت تساند النظام المباد وفتح لها المنابر الإعلامية ووفر لها الدعم المالي والدور الواسعة والسيارات الفارهة كان بإمكان القراي كمدير للمركز القومي للمناهج والبحث التربوي أن يلقمهم حجرا ويسكتهم عن العواء والصهيل في العراء لو انتظر حتي اكملت كل لجان المناهج الدراسية والبحث التربوي عملها وخرج عليهم عبر مؤتمر صحفي ومعه أركان حربه وسلمه من أهل الاختصاص التربوي والأساتذة والمعلمين وتحدثوا عن التنقيحات التي أجريت على جميع المناهج ولكل المراحل الدراسية والتعليمية ولكنهم زودهم بذخيره حية حين خرج عليهم لوحده فسهل من مهمتهم في خلق رأي عام مناهض له في شخصه ويدعو لعزله من منصبه وعند اطلاعي على استقالته المعنونة للسيد رئيس الوزراء عبر وزير التربية والتعليم ذادت لدي مساحة الاستغراب وكشفت لدي جوانب أخرى في شخصية القراي واحساسها بالنرجسية والتوهم بالتميز وعدم وجود المماثل له في المجتمع السوداني وهذا الشعور المزيف بادعاء الأهمية هو بداية الطريق إلى الغرور الذي هو مقبرة للعظماء وغيرهم من أمثال عمر القراي الذي اختلط عليه الأمر وتشابهت عليه البقر فلم يستطيع ان يتعامل مع وظيفته كمدير للمركز القومي للمناهج وهي وظيفة تاثيرها يمتد إلى كل أهل السودان بمختلف مكوناتهم السياسية والفكرية والدينية وبين فكره الجمهوري الذي يعتنقه ويتعصب له ورؤيته الخاصة وفلسفته في الحياة فبدلا من أن يضع نفسه في موقف الحياد الايجابي ويتعاطي مع كل المكونات الفكرية والسياسية والدينية بايجابية وضع نفسه في موقف المدافع والمعارض للكافة من منطلق فكرة الجمهوري فوضع نفسه في عين العاصفة التي عصفت به وبكل الجهود التي بذلتها مختلف اللجان والعجيب والغريب ان عمر القراي يريد أن يدافع عنه السيد رئيس الوزراء ومكتبه ومستشاريه وهو لا يعلم أن نفسه هي التي افترسته قبل الآخرين وأنه ليس بمقدور رئيس الوزراء أن يفعل شيئا لرجل صب علي نفسه بنزين غضب أهل السودان واشعل نار الخلافات علي راسه فإنه لا محالة سيحترق واذا كان عمر القراي بالفعل عالما في مجاله وأنه نال درجة الدكتوراه من الجامعات الأمريكية لماذا رفض البنك الدولي طباعة المنهج الجديد علي نفقته كمنحة ظل يقدمها للعديد من دول العالم بل الأخطر والذي سكت عنه عمر القراي ولم يكاشف به اهل السودان هو تقييم لجنة التعليم بالبنك الدولي للمنهج الذي وضعته لجنة القراي فقالت بالحرف الواحد أنه منهج غير مواكب ويفتقر للعلمية واستيعاب التقانة ونظم المعلومات الحديثة في مناهج التعليم لذلك رفض البنك الدولي طباعة المنهج الجديد فلماذا يدافع عنك رئيس الوزراء الذي يعول كثيرا على الدعم الدولي والاقليمي وانت تهدر فرصة الاستفادة من مثل هكذا دعم. القراي انتحر نتيجة لاصابته بتضخم الذات وأن لوحة مايكل انجلو وما اثير حولها من جدل كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهره فالحمد لله الذي هيا لرئيس الوزراء فكرة تجميد تدريس المنهج الجديد وتقدم عمر القراي باستقالته. فهو راح واستراح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى