تقارير

السودان يفقد أحد زعمائه الاوفياء للديمقراطية:

الإمام الصادق المهدي ...الوسطية ،الإعتدال والحكمة

الخرطوم – أحمد خضر
رحل إلى رحمة مولاه الإمام الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي حفيد مفجر الثورة الوطنية الأهم والمفصلية في تاريخ نضال السودانيين ضد المستعمر.
والمهدي فضلا على زعامته لحزب الامة القومي أحد أكبر الأحزاب السودانية،فهو أيضا تقلد منصب رئيس وزراء السودان المنتخب لمرتين الأولي كانت ما بين عامي 1966 – 1967 والثانية في الفترة 1985 – 1989 م كما تقلد حقيبة وزارة الدفاع ايضا في فترة الديمقراطية الثانية 1964 – 1969 م
وهو سياسي ومفكر سوداني، وزعيم حزب، توزعت سنوات عمره بين كراسي السلطة وزنازين السجون وغربة المنفى وجبهات المعارضة الداخلية، فقد ذاق السلطة رئيسا للوزراء لفترتين والسجن والمنفى معارضا عدة مرات.
المولد والنشأة والدراسة
ولد الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي يوم 25 ديسمبر 1935، في حي العباسية بأم درمان. فوالده السيد الصديق المهدي (1911-1961) تقلد إمامة الأنصار إثر وفاة جده الإمام عبد الرحمن في مارس 1959، ليقود معارضة نظام الفريق إبراهيم عبود لاسترجاع الديمقراطية حتى توج نضال السودانيون بعودة الديمقراطية في 21 أكتوبر 1964 .
تنقل الصادق المهدي في طفولته لدراسة القرآن الكريم في عدد من “خلاوي تحفيظ القرآن”، فبدأ بخلوة العباسية في أم درمان ثم خلوة الجزيرة أبا بولاية النيل الأبيض، قبل أن يلتحق بالكتّاب في الجزيرة أبا ، ثم ينتقل بعدها لمرحلة الابتدائي في مدرسة الأحفاد بأم درمان ثم مدرسة كمبوني الخرطوم لدراسة المرحلة الثانوية، ليواصل في كلية فكتوريا الإسكندرية 1948-1950، إذ ترك الكلية هاجرا التعليم النظامي ليعود للسودان ملازما الشيخ الطيب السراج، وينهل من علوم الفصحى وآدابها .
في 1952 عاد للتعليم النظامي وجلس لامتحانات شهادة أكسفورد، ثمَّ التحق بكلية العلوم في جامعة الخرطوم سنة 1952 أثناء مواصلته تلقي دروس العربية .
التحق بالدراسة في كلية الاقتصاد بجامعة أوكسفورد 1954-1957 لدراسة الاقتصاد والفلسفة والعلوم السياسية التي نال فيها درجة الشرف، لينال تلقائيا درجة الماجستير بعد عامين من تاريخ تخرجه، بحسب النظام المعمول به في جامعة أكسفورد .
انخرط المهدي في العمل السياسي منذ ان كان طالبا في إنجلترا حيث كان ضمن اتحاد الطلاب السودانيين بلندن بعدها عاد للسودان، عمل موظفا في وزارة المالية عام 1957 قبل أن يستقيل منها عام 1958، ثم عمل مديرا للقسم الزراعي بدائرة المهدي ورئيسا لاتحاد منتجي القطن بالسودان .
وكان في صفوف المعارضة بعد دخوله المعترك السياسي في حزب الأمة القومي وكيان الأنصار الذي يطرح مشروع الدولة الديمقراطية بما يسمي بمشروع “الصحوة الإسلامية”، ليجعل همه خدمة قضية الديمقراطية والتنمية والتأصيل الإسلامي في السودان .
وترأس الجبهة القومية المتحدة في الفترة 1961-1964، ليُنتخب بعدها رئيسا لحزب الأمة في نوفمبر 1964 .
ثم إنتُخب رئيسا لوزراء السودان في الفترة ما بين 1966 و1967، ثم رئيسا للجبهة الوطنية المعارضة لنظام النميري (1972-1977)،ثم انتخب رئيسا لوزراء السودان مرة خلال سنوات 1986-1989، ثمَّ إماما لطائفة الأنصار عام 2002 .
أصبح عضوا في عدد من المجالس والمنتديات العالمية، منها: المجلس العربي للمياه، ونادي مدريد، والمجموعة الاستشارية العليا الخاصة بمجموعة العمل الدولية للدبلوماسية الوقائية، والمؤتمر القومي الإسلامي، والمجلس الإسلامي الأوروبي، والمنتدى العالمي للوسطية، وشبكة الديمقراطيين العرب .
كثيرون يرون أن الرجل ولد وفي فمه ملعقة من ذهب الزعامة السياسية والدينية، فقد ورث عن أسرته المهدية حزبا سياسيا -هو حزب الأمة- تولى زعامته وتولى رئاسة الوزراء مرتين باسمه. كما ورث طائفة “الأنصار” جعلت منه أيضا زعيما دينيا للحركة المهدية، نسبة إلى جده الأكبر محمد أحمد المهدي القائد السوداني الذي فجر الدعوة والثورة المهدية في السودان .
بينما نفى هو ذلك، وسبق له أن أوضح أنه الزعيم السياسي الوحيد في بلاده الذي لم تزده السياسة شيئا، بل أفقرته، وذكر أنه لم يتسلم راتبا من مال الدولة طيلة سنوات توليه رئاسة الوزراء، في المرة الأولى من 1966 إلى 1967، وفي الثانية من 1986 إلى 1989 .وأضاف أنه لم يسكن قط في بيت حكومي، وأنه الوحيد من المسؤولين الذي كان كلما رجع من رحلة إلى الخارج يعيد إلى خزينة الدولة الميزانية التي خصصتها لسفره .
دخل السجن عدة مرات سنوات 1969 و1973 و1983 و1989، كما نفي إلى مصر والسعودية وهاجر سرا عام 1996 إلى إريتريا المجاورة للسودان والتحق بالمعارضة السودانية هناك، ولم يعد إلا أواخر عام 2000 بعد توقيع اتفاق مصالحة مع النظام أواخر عام 1999 سمي “نداء الوطن” تحت رعاية رئيس جيبوتي إسماعيل عمر قيلي .
كان الامام الصادق المهدي نشط فكريا ومؤلفا دون آراءه ومشاركاته الفكرية في عدد من المؤلفات لم يتم حصره بعد، منها “العبادات للإمام المهدي” (1959)، و”مسألة جنوب السودان” (1964)، و”جهاد في سبيل الديمقراطية”، و”جهاد في سبيل الاستقلال”، و”الإصلاح الزراعي”، و”الصحوة الإسلامية ومستقبل الدعوة” (1981)، و”مستقبل الإسلام في السودان” (1982)، و”المنظور الإسلامي للتنمية الاقتصادية” (1984)، و”الإسلام والتجربة والسودانية” (1985)، و”الثورة العربية المعاصرة”
(1985)، و”قضايا العصر والهوية” (1985)، و”الغزو الثقافي” (1985) .
كما كتب “النهج الإسلامي بين الاستقامة والتشويه” (1985)، و”الإسلام ومسألة جنوب السودان”،(1985)، و”المرأة وحقوقها في الإسلام” (1985)، و”العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي الإسلامي” (1987)، و”الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة” (1990)، و”الإسلام والنظام العالمي الجديد”، و”السودان إلى أين؟” (1993)، و”المشروع الحضاري الإسلامي العربي والمسألة الإسرائيلية” (1998)، و”من أجل وحدة جاذبة أو جوار أخوي” (2009).
الصادق المهدي ناضل سلميا بكل ضرواة وشراسة من اجل الديمقراطية وعودتها مرة أخري طيلة الثلاثين السنة الماضية من حكم نظام البشير.
وفي الفترة ما بين 15-17 أبريل 2003م انعقد المؤتمر العام السادس لحزب الأمة حيث تمت إعادة انتخابه رئيسا للحزب.
فقد قاد حملة لتعديل اتفاقيات السلام السودانية الثنائية في نيفاشا بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي تم توقيعها في نيفاشا 9 يناير 2005م، واتفاقية أبوجا بين الحكومة وإحدى الفصائل المتمردة في دارفور والتي تم توقيعها في مايو 2006، واتفاقية أسمرا التي وقعتها الحكومة مع بعض ثوار الشرق في أكتوبر 2006م. وذلك بتحويلها إلى اتفاقيات قومية يجمع عليها السودانيون، وإصلاح الخاطئ فيها، وتوضيح ما غمض فيها من نقاط، وتوسيعها بإضافة القضايا الهامة التي أهملتها وذلك بإشراك جميع الفاعلين في المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى