تحقيقات

الذهب الأزرق ….ثروة فِي مكب “النفايات”

*مدير مدبغة : أسباب سياسية تقف خلف تدهور صِناعة الجُلود فِي السُّودان .

*(40)٪ سنوياً تُرمى في مكب النفايات والسبب (…..)

*ما لم يتم إنشاء مدينة صناعية للجُلود فإنّ الخسائر ستظل فادحة ومؤلمة للغاية

الخرطوم : سلمى عبدالعزيز
الشوارع تضج بالفوضى،رائحة تزْكُم الأنوف،ومحاولات يائسة للتخلص منها فشلت خاتمة المطاف؛كادت “الجُلود”المكدَّسة بالميادين وباحات المساجد بل وأزقة المنازل أنّ تتسبب بكارثة بيئية حقيقية،إلاّ أن حسرة اهدراها كان أكثر ألماً،أن ترى مورد مُهم من شأنه رفد خزينة دولة فارغة بملايين الميليارات مُلْقَى على الشوارع،وبدلاً مِن أن يكون طوقاً لنجاة إقتصاد على حافة هاوية ونِعمة استحال لنقَمة.
الذهب الأزرق
يُطلق أصحاب المدابغ على الجلود المصنعَّة الذهب الأزرق أو مايُعرف بـ(الوايت بلو)ويُعلل مدير عام مصنع “أفروليزر” لدابغة الجلود المهندس أبوذر بشير أحمد أسباب التسمية لأهمية هذه الصِناعة التّي ازدهرت عالمياً،وباتت تعَد واحدة مِن أهم الصناعات الرافدة لخزائن الدول.
يقول أبوذر بشير لـ (S.T)إن التأمر على صناعة الجلود فِي السُّودان ليس وليداً اللحظة،واصفاً تكدَّسها بردة فعل طبيعية لمعاناة إمتدت(30) عاماً وسطوع لمشاكل قديمة متجددة بحت أصواتهم مع الجهات المختصة بحثاً عن حلول لمعالجتها ولم تجد استجابة.
أسباب سياسية
دون سابق إنذار قفز جوال الملح من (200) إلى (1200) جنيه راسماً ملامح من الدهشه فِي أوجه الجميع،هذا الإرتفاع قاد بدوره لزيادة سعر تكلفة الجلد الواحد لـ(17) جنيه وفقاً لما أدلى بِه أبوذر.يقول لـ (S.T) هذا الإرتفاع غير المبرر والمتوقع تقف خلفه أسباب سياسية،فالملح عنصر مهم وأساسي وإنعدامه يعني شلل في هذه الصناعة وهذا ماحدث،
ويواصل: خاطبنا وزارة التجارة والصناعة بضرورة توفير الملح قبل عُطلة عيد الأضحى المنصرم وذلك عن طريق تخصيص “قطار” لجلبه مِن بورسودان،خاطبت وزارة الصناعة متأخرة هيئة السكة حديد والتي تعللت بضيق الوقت ما فاقم الكارثة.
يمضي مدير مدبغة (سودا) خالد عبدالرحيم خلال حديثه لـ(S.T) في ذات الإتجاه مُؤكداً أن أُسر كثير كانت تعتمد على جمع الجلود كمصدر دخل إلاّ أنها فشلت هذا العام في مجارات تحديات عديدة أهمها أزمة الوقود وإرتفاع اسعار الملح،مُشيراً إلى أنّها كانت تتحايل على ارتفاع اسعار الوقود أو انعدامه بجمع كميات كبيرة من الجلود فِي المنازل و(تمليحها) للمحافظة عليها أطول فترة ممكنة ومن ثم ترحيلها دفعة واحدة للمدابغ وهذا ما عجزوا عنه هذا العام لإرتفاع أسعار الملح.
موسم المقدمات
هذا العام لم يتبع أصحاب المدابغ خُطط الأعوام السابقة والمتمثلة فِي الإستعداد لما يُعرف بينهم بـ(الحملة) أو (الموسم)حيث تقوم بمنح أصحاب الوكالات أو أفراد الجلود الخام مبالغ مالية قُبيل عيد الأضحي بأسبوعين أو ثلاثة أسابيع وهو مايُعرف بـ(المقدمات) لجمع الجلود وفقاً للكمية التيّ تُحددها المدبغة(20 ،30 ،50 …)ألف،وهو عُرف سائد وخطة مدروسة ومتبعة منذ سنوات،ما لم يذكره أصحاب المدابغ لماذا لم تكن هُناك (مقدمات)هذا العام؟!،مَن مِن أصحاب المدابغ دفع مبالغ مالية لأفراد الجلود الخام؟!،أو وعدهم كأضعف الإيمان بإستلامه مِنهم حال جمعه؟! لا يوجد،وإن وجد لم يكن بالحجم الكبير.
ويواصل والحديث أنفاّ يعود لمدير مدبغة (أفروليزر) إن أهم اسباب فشل الموسم هذا العام هو عدم وجود طلبيات مِن خارج السُّودان والذِي دائماً مايكون الرِهان عليها كبيراً مٌقارنةً بالسوق المحلي الذِي وصف إستهلاكه بالقليل ودليله على ذلك عمل ما لايزيد عن مدبغتين فقط هذا العام للتغطية المحلية.
مشاكل عفا عليها الزمن
مازالت الجلود السُّودانية تقف في مربع قديم وتضجُ بمشاكل عفا عليها الزمن،أمراض كـ(القوب،الجدري)،إضافةً لمشاكل (السلخ) والـ(كي) الذِي تشتهر بِه بعض القبائل في السُّودان وتُصرّ على التمسك بِه كعلاج لبعض الأمراض ووسم تتميز به ماشيتها دُون أنّ تُدرك أنها بذلك تهدر ثروة تُدِر المليارات تُفقد البلاد سنوياً (40) % منها وهذا رقم كبير.
واضعاً التدهور المريع والذي عانى منه القطاع على مدى ثلاثون عاماً اقعدت صِناعة الجُلود بالسُّودان مِن النهوض رغم أنّه مصنف من افضل الجلود عالمياً،لعجز مركز البحوث والإستشارات الصناعية ومركز تحسين الجلود في معالجة عيوب تخلص مِنها العالم مبكراً.
يقول :(هذه المراكز مليئة بالموظفيين والإستشاريين والخبراء والدكاترة ومع ذلك فشلت تماماً فِي توعية الرعاة سيما بالمناطق النائية،وتوفير أمصال لمعالجة أمراض لم تعد موجودة إلاّ في السودان،وتدشين حملات للجزارين “الكِيري” لتفادي أخطاء السلخ)،لافتاً إلى أن جُل الجلود التّي تصل المدابغ بها مشاكل وعيوب المنشأ،وشددّ على أن ماحدث يُمكن تسميته بصدى لمشاكل قديمة فشلوا في معالجتها سابقاً برزت الأن بصورة أكثر وضوحاً وضرراً،وزاد : ( لو جُمِعت كافة الجلود مِن المواطنيين والشوارع والمساجد فإن الفاسد مِنها سيكون كبير أيضاً كما حدث بالعام السابق لإحتوائها على أمراض ومشاكل سلخ لا تُحصى،أعتقد أن جمع الجلود المرحلة الأكثر سهولة،الصعوبة تكمن في معالجة العيوب والأمراض التي تُعاني منها).
تهريب الجلد الخام
يقول ابوذر خاتماً حديثه لـ (S.T) يسبقنا سوق الجلود العالمي الذي يشهد نهضة غير مسبوقة الأن بـ(3) مراحل،فهم الأن بمرحلة التصنيع بينما نقف نحن في مرحلة صناعة الجلد الأزرق اللين أو الـ(الوايت بلو )،مطالباً الدولة بضرورة التدخل لإنقاذ هذه الصناعة المهمة مستشهداً بالتجرية الأثيوبية التي كان للدولة دور كبير في انجاحها حيث بدأت بمنع تصدير الجلد الخام لثلاثة سنوات متتالية ثم أعقبتها بمنع تصدير (الوايت بلو) ،الأن يستحيل خروج جلد غير مصنع تصنيع كامل من اثيوبيا،بينما تتزايد عمليات تهريبه بوتيرة مخيفة في السُّودان.- يقولها بيأس -.
ثروة فِي القمامة
يروي صاحب مدبغة (سودا) خالد عبدالرحيم لـ (S.T)رِحلة إهدار الذهب الأزرق،الثروة التّي عجزت الدولة عَن الإهتمام بها ناهيك عن تطويرها فإنتهى بها المطاف بمكبات النِفيات،قائلاً /إنها بدأت مُنذ العام (2018)ثْم تفاقمت حِدتها فِي العام (2019)إلاّ أن الثورة وما تلاها من أحداث جِسام حالت دون الإنتباه لها،لتبدو واضحة وجلية العيد المنصرم،مُشيراً إلى أنّ الإنهيار الذي يشهده السعر العالمي نتيجة جائحة (كورونا) له القدح المعلى في تدني اسعاره محلياً،مشخصاُ الأزمة ويصفها بالكبيرة وحلها يكمن فِي التفكير وبجدية بإنشاء مدينة صِناعية للجلود إسوة بالعديد من الدول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى