مقالات

الحنين…

من بعيد

الشارقة : نعمات حمود
ليل الغربة ثورة يومية تعبث بالذاكرة، عبث مسائي حزين ، مناجاة لكثير من التفاصيل،
نقتات فيه الوجع ، وجع المسافات والحنين والشوق…
فالسنون مطاف المحطات ، وما بين المطاف والغاية محطات تستقيها لوازم المضي، وما يشكله الوطن هو محطة الراحة ،والليل هو مبعث الأرق و الذكريات التي لا تستطيع الأحداث اليومية محوها من ذاكرة الانسان في الغربة مهما كانت ممتعة و جميلة او حزينة .. ارتحل في غربتي وقسوة الحياة بكل ضجيجها ورهقها ومباهجها والعالم من حولي بكل ما يحمل من غرائب متجددة ومدهشة مفرحة ومفيدة الا انني ابحث عن تفاصيل يومي هناك … أعيش ربيع الحياة في كل فصل، أحلم دوما بذلك الفجر القادم، أرسمه بألوان الطيف.. أرسم الامال!! وكلي ثقة بتلك الأحلام. احلامي !!.. إنها تساورني … تشاورني… انتظرها… اعاهد الصبر… أُرهق الانتظار.. يباغتني كثيف الشوق والحنين الى امي… وطني… اصدقائي… واحبابي. تداهمني تفاصيل مدينتي امدر التي رعرعتني علمتني معنى الوطن وحبه اتوق الى شوارعها.. نيلها العذب… الى لمة اصحابي حولي وامسيات امدر بين منتدى مكتبة البشير الريح وليالي المسرح القومي وحوش الخليفة مرورا بسوق الموردة ويمتد حتى عوضية سمك وقندهار وشارع النيل وستات الشاي ..صور يومية انعش ليلي بها ووجوه كثيرة انوم على صدى صوتها.. وصورها تتراءى امامي… رائحة وطني أتنسمها عبيراً استنشقه من دواخلي وتتوق نفسي له ، صوت النيل ورائحة الطين الطمي ..، أسوأ ما في ليل الغربة عندما يلم بوطنك أو احدهم سوءاً… أو تفقد عزيز من احبابك. ستجافي النوم شهورا.. تنام كما تغنى (خليل اسماعيل) والدمع يملأ الوسادة.. هكذا حال الحزن في الغربة قد يتساءل البعض فلما كل هذا لما لا نعود الى ديارنا ، انا مثلكم يعاودني السؤال الف مرة وكلما قدمت في اجازة احاول مراراً الرد عليه .ولكن لا اجد الاجابة او مبررا مقدرا للاستقرار بوطني ، اتحسس موطئ قدم فيه فلا اجدها ..قد بات ضيقا بتاريخه وشوارعه واناسه ونفوسهم ، الوطن الذي رباني وعلمني كلما اعود اليه اكاد اؤمن بانه بات لا يعرفني ولا اعرفه .تغيرت ملامحه وشاخت كثير من معالمه الحبيبة لنفسي ،تغيرت ملامح انسانه وتفاصيله ..شوارعه ومسمياتها ،الوجوه التي تزحم شوارعه ، المارة واشكالهم وتنوع ملامحها التي تحمل كثيرا من البؤس واساليبهم ونظراتهم و مخاطرهم والروائح النتنة المنبعثة من كل فج في تلك الاراض شديدة الخصوبة ..الطفولة المشردة التي تملأ الشوارع ،طعم الاشياء !!اصدقوني لو قلت لكم انني اتوجس
ليل الغربة
خيفة ان اضع يدي على الجرح .اغض الطرف خجلى حتى ان الحوش الذي كان يسع اسرتي تحول الى شقق ضيقة وتحولت تباعا تلك المسامرات الليلية بين الاسرة الواحدة وهي مستلقية نستقبل السماء الصافي والنجوم تشع على وجوهنا فتملأها نورا فنصحو على يقين اننا اسرة واحدة وجسد واحد تحولت اليوم الى لقاءات غير حميمية شبه اسبوعية بعد استئذان يسبقه كثير من الحرج والتكاليف المرهقة والقبلات المزيفة وان الصينية التي كانوا يلتفون حولها تحولت الى (ساندوتشات ) بائسة وان الثوب الذي كان يستر نساء الحي ما عاد موجودا وان النزاهة والشرف اصبحت من الحكايات الشعبية موضوعة على متاحف موروثاتنا الشعبية …
كان سؤالا ملحا بداخلي لماذا انا في الغربة يراودني كلما خلدت الى النوم ؟
ولكن ثمة سؤال اخر بت به اكثر انهزاما وانكسارا داخليا .. لماذا وصل وطني الحبيب الى هذا الحال ؟
هل كانت الضائقة الاجتماعية ؟الاقتصادية ؟
المادية ؟
انسانة ؟ام ماذا ؟؟
وبت اكثر قناعة ان الله اراد بي خيرا يوم سعيت في الارض ابحث عن رزقي اتسكع على ارصفة المنافي ..واحمد الله كثيرا ان وقاني كثير الشرور .وكثيف الالم ..ولا اقول الا ان الفجر قادم ولا املك غير الامل وكما قالت عجوزا اعرابية: (افضل ما في المستقبل انه يأتيك يوما بعد يوم ) وإنا لمنظرون .
وخزة:
أيها الحائكون.. أريده بمقياس الحب وبطعم المحبة.. بلون الصدق.. أدنيه علي واحتجب به عن ظلمات القسوة دونه…
وعلى الود نلتقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى