تحقيقات

الأعيرة النارية… تحول الافراح الي اتراح!

*عقوبة تصل الى السجن خمسة سنوات أو الغرامة

*قانوني:المجاملة في هكذا قضايا من شأنها أن تعود بالضرر على الجميع

*مطالبات  بإنزال عقوبة صارمة على النظامين الذين يستخدمون الأسلحة النارية في الأفراح

*مواطن: ظاهرة إطلاق الرصاص في مناسبات الزواج أمرخطير وغير حضاري

*وآخر:  اطلاق الرصاص ثقافة موروثة منذ القدم وتعتبر من عادات وتقاليد المجتمع السوداني في الزواج

استعراض ــ عرفة خواجة

اعتاد المواطنون  إطلاق الرصاص الحي في السماء ابتهاجاً في الأعياد والأعراس والمناسبات المختلفة عادة ما يؤدي ذلك إلى سقوط الكثير من الضحايا كل فترة تقريباً، بينهم نساء وأطفال يفقدون أرواحهم، أو ينقلون جرحى إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات بسبب الرصاص العائد من السماء،
  ولعل حادثة وفاة عريس سنار  الذي توفي اثر رصاصة طائشة   من احد المعازيم، فضلا عن  حادثة   مقتل عروس بشرق النيل اثناء حفل زفافها برصاصة طائشة هي خير مثال، وكذلك   حادثة الطفلة (ميمي ) التي تسكن في ريفي منطقة الحاج يوسف والتي اصيبت بعيار ناري استقر في (رجلها الايسر)  مرتد من احد حفلات الاعراس  هي مثالا للاستخدام الخاطئ للاعيرة النارية  وفي وقت سابق أصدرت السلطات السودانية قرار يقضي بحظر وتجريم إطلاق النار في المناسبات، ونص القانون على معاقبة مستعمل السلاح بالسجن مدة لا تتجاوز خمس سنوات أو الغرامة، (S.T) استطلعت بعض الذين ضرروا بسبب هذه التصرفات في الأفراح وبعض المواطنين  والقانونيين والجهات ذات الصلة وخرجت بالتحقيق الخطير أدناه.
1
إطلاق العيارات النارية بالمناسبات الاجتماعية مشكلة ولها جذور اجتماعية وثقافية في مجتمعنا، ورغم التحذيرات التي تطلقها الحكومات وما تتخذه من اجراءات لردعها، الا ان ظاهرة إطلاق العيار الناري بالمناسبات الاجتماعية تظل مشكلة مستمرة رغم التنويه بمخاطرها على عمر وصحة الانسان وأمنه وسلامته.
ولما كانت الأعيرة النارية من احدى أدوات الحرب، فكيف ننقل اجواء الحرب من ازعاج وضوضاء وقتل وخراب ودمار واهدار دماء بريئة الى الأفراح خاصة في الزواج؟!
2
وللأسف فان، ظاهرة إطلاق الرصاص في الأعراس كانت منتشرة في البوادي والأرياف البعيدة عن المدن فقط، ولكنها انتشرت في المدن بأشد مما هي عليه في الأرياف، وأصبح أصحابها يتفاخرون بالسلاح وأنواعه، وكثرةِ ما يطلقون من الرصاص وأي أسلحة تستخدم، حتى رأينا من يستخدم الأسلحة المتوسطة كالمعدات بعد عقد القران أو في منتصف الليل في زفة العرسان.
3
في ذات أمسية باردة كان الشاب “نهشل الرشيد” على مقربة من تحقيق أحلام مؤجلة بإكمال نصف دينه وبداية النصف الثاني من حياته في عش الزوجية الذي انفق سنوات مضنية من عمره لنسجه بدقة حتى يصبح مهداً متكاملاً، ونواة لأسرة حديثة صالحة تضاف إلى المجتمع، لكنه لم يدر بخاطره أن الحلم الذي انطلق قطاره فعلياً لن يتحقق، ولا يتصور أحد انقطاع هذه الفرحة العارمة خلال ثوان بعد اختراق رصاصة طائشة صدر العريس الذي سبح بعدها في بحيرة من الدماء، أما شريكته التي تجاوره فقد سقطت مغشياً عليها من هول وبشاعة المشهد
4
والطلقة التي أحالت حفل العريس إلى مأتم عريض خرجت من رصاصة  أحد أصدقائه كان يستخدمها لإعلان  فرحته قبيل إطلاق وابل من الرصاص في الهواء كأخطر المظاهر السائدة للتعبير عن السعادة وسط بعض المجتمعات العربية، حيث كان الندم حاضراً والموت أقرب مما يتوقع الجميع، بعد اغتيال واحدة من تلك الرصاصات أحلام العريس وذويه.
5
هذه الحادثة التي رويتها لكم هي  ليست الأولى من نوعها في السودان حيث ،  حدث  مشهد مماثل في   ضواحي احد  المدن  اشعلت منصات التواصل الاجتماعي، حيث أنهت طلقة أخرى حياة والدة العريس في يوم فرحه وصنعت ألاماً ونحيب بدلا من اهازيج الفرح  وسط الحضور، ورصدت  شبكات التواصل الاجتماعي حوادث كثيرة ومماثلة حصيلتها النهاية حصد الأرواح، وأغلبها يتمركز في بعض مدن السودان المختلفة، التي باتت هذه الظاهرة السيئة ضمن ميزان ما سمى “بالعادات والتقاليد”
6
في تقديري ان عادة اطلاق الرصاص في المناسبات والأفراح عادة جاهلية لأنها لا تراعي حرمة الانسان وحياته، ولا تلتزم بحقوق الانسان في الأمان والسلامة الاجتماعية، ولذلك أرى فيها جاهلية وابتعاد كلي عن التحضر والانسانية، وأي عمل يحول أفراحنا الى مآتم، ويعتبر عمل همجي وغير اخلاقي وغير ديني وقد نهانا رسولنا الكريم محمد صل الله عليه وسلم عن ترويع الآمنين كما في حديثه الشريف : “لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا”
7
وفي هذا الصدد قال المواطن “الطيب علي” ل(S.T) ظاهرة إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات المختلفة خاصة الأعراس ثقافة موروثة منذ القدم وهي تعتبر من عادات وتقاليد المجتمع السوداني في الزواج، وحالة تعبر عن الفرح والابتهاج بمثابة الإشهار والإعلان عن الزواج، ويستدرك قائلاً:بيد أنها تسهم في كثير من الأحيان في تحويل مناسبة الفرح الى حالة من الحزن، لذلك لابد من التخلي عنها فوراً، معتبرها ثقافة سلبية تحتاج لعلاج جذري حتى لاتودي بالأنفس وتحيل الأفراح الى أتراح.
8
وقالت المواطنة “سناء الطيب” ل(S.T)  إن عادة إطلاق النار في مناسبات الأفراح خلال الحفلات، ظاهرة غير مقبولة، وأضافت إن حمل السلاح والتظاهر به أمام الآخرين يعكس نوعاً من الخلل النفسي، وتضيف: نجد الكثيرين من الأفراد يستخدمون السلاح بإهمال ودون تركيز، لذلك حوادث الموت باتت تتكرر في مناسبات الأفراح. وأبانت” سناء” أن وجود السلاح خارج أيدي رجال الأمن، خطر وحتى إن كان للدفاع عن النفس، وأضافت: لذلك لابد من حسم أمر إطلاق الأعيرة النارية في مناسبات الزواج بالرغم من سن عقوبات رادعة تجعل العريس وذويه تحت طائلة القانون في حالة إطلاق نار خلال حفلة الزواج إلا انه مازال البعض يتجاهل هذا القانون ويتعمد استخدام العيار الناري لإشهار العقد على حد تعبيرهم، كعادة قديمة متوارثة عبر القبائل.
9
ووصف المواطن “أحمد عمر” عادة إطلاق الرصاص في مناسبات الزواج بالأمر الخطير وغير الحضاري، ويتساءل عن الفائدة التي تعود على مناسبات الأفراح من إطلاق الأعيرة النارية؟ وقال إن هذه الظاهرة تحتاج لإعادة نظر من المجتمع والجهات المسؤولة في عدم المجاملة في انفاذ القانون، وذلك لإيقاف فقدان الأنفس
10
في ذات المنحى قال المستشار القانوني  “علي محمد جماع” في حديث  ل(S.T) ان  ظاهرة حمل السلاح في المناسبات وداخل الأحياء  من ناحية قانونية ورسمية مسؤولية القوات النظامية وغير مصرح بحمله للمواطنين، إلا في حالة المصادقة عليه من قبل السلطات وفق شروط محددة وصارمة، وأبان “مجاهد” إن القوات العسكرية يحكمها قانون واضح يحدد أماكن حمل السلاح ودواعي استعماله، وأشار الى أن استخدام السلاح في المناسبات يمثل جريمة وخطراً كبيراً على أرواح المدنيين ويؤدي الى إفساد الفرح وتحويله الى مأتم في كثير من الحالات، وقال: كل شخص ينتمي لإحدى القوات النظامية ويستخدم الأسلحة النارية في الأفراح يجب أن يعاقب بصرامة وتشديد، وذلك لأنه يهدر المال العام ويوقع أضراراً على أبرياء لا ذنب لهم، وطالب أن تمتد القوانين الصارمة الى غير النظاميين الذين يحملون أسلحة مُصدَّق بها ويستعملونها في غير الغرض المحدد، وأكد أن المجاملة في هكذا قضايا من شأنها أن تعود بالضرر على الوطن والمواطن.
11
من جهته اوضح  الشيخ “عبدالوهاب”   بان  “النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن حمل السلاح مكشوفاً؛ خشية أن يؤذي المسلمين عن طريق الخطأ، ونهى عن الإشارة بالسلاح إلى المسلم؛ خشية أن تزلّ يده بنزغ من الشيطان، فكيف بمن يستعمل السلاح فعلاً، ويتسبب بأذى المسلمين؟ يقول عليه الصلاة والسلام: “من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه” رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يُشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار” رواه مسلم.وتابع قائلاً: “بل كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصاً أن يؤمن السلاح تأميناً كافياً، بحيث لا يؤذي أحداً من المسلمين.
وتساءلقائلاً: “أين الذين يطلقون مئات الرصاصات بشكل عشوائي داخل الأحياء السكنية والطرقات، وبجوار المساجد وقصور الأفراح؟ أين هم من توجيهات النبي الكريم الذي كان يخشى أن يجرح أحد بغير قصد أثناء حمل النبل أو تناول السيف؟ أين هم مما قد تخلفه الرصاصة من كوارث تصل حد القتل وإتلاف الأعضاء؟”
12
وفي وقت سابق اجازت السلطات  قانون مشروع قانون الأسلحة والذخيرة والمفرقعات لسنة 1986م (تعديل) لسنة 2018م، بتعديل المادة “26” من القانون الذي يجرم استعمال السلاح في المناسبات الاجتماعية والأماكن العامة.
ونص القانون على معاقبة مستعمل السلاح بالسجن مدة لاتتجاوز خمس سنوات أو الغرامة، واتهم نواب بالبرلمان منسوبي القوات النظامية بإطلاق الأعيرة النارية في المناسبات مطالبين بضرورة محاسبتهم وتشديد عقوبتهم.
ونص وفقاً للتعديل بإضافة فقرة ثالثة حيث نص البند الأول بأنه لا يجوز استخدام الأسلحة النارية في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات والأماكن العامة أو في غير الأغراض المصرح بها قانوناً، ونص البند الثاني بأنه لا يجوز استخدام الأسلحة المطاطية أو الصوتية الشبيهة بالأسلحة النارية لأغراض التهديد أو الإخلال بالأمن، بينما نص البند الثالث بأنه لا يحق لأي شخص استخدام المفرقعات أو أي مواد حارقة دون أخذ الأذن اللازم من الجهات المختصة وبالكيفية التي تضمن سلامة الاستخدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى