مقالات

احداث شرق السودان

د/محمد مصطفى عبدالرحمن - خبير أستراتيجى ومحلل سياسي

لاحقنى كثيرون لإبداء رأيي فيما يحدث فى الشرق من وجهة النظر الاستراتيجية ولم اكن حريصا على إبداء ذلك لان الرأي العام الأن اصبح مشوشًا وملغوما لدرجة الخلط وعدم التمييز بين الرأي الأكاديمي الاستراتيجي والموقف الشخصي والرأي العام الذى قد يبنى على العواطف ،ولكني أقول ان مصالح الأمن القومى السوداني تتطلب القراءة الاستراتيجية التى تبنى على التحليل العميق للوصول الى النتائج التى تخدم مصالح قوى الدولة الشاملة السياسية لبلدنا والاقتصادية والاجتماعية والأمنية ..إلى آخره. فما هى المصلحة الاستراتيجية وما هو الخطر الاستراتيجي حتى نعلن موقفا سياسيا أو قرارا تنفيذيا مثل الدخول فى حرب مع اثيوبيا وما هو السبب الذى منعنا فى السابق من استعادة هذه الأراضى المحتلة. وأقول بان أي تحرك سودانى ضد اى دولة جوار يتطلب النظر وتوقع ردة فعل بقية الدول الجارة لنا ، مثلًا هذا التحرك الذى تم هل لمصر مصلحة منه املا والإجابة وبلا شك انه يخدمها بالمقام الأول والدليل ردة فعلها وتأييدها لتحييد السودان عن اثيوبيا لصالحها والسودان ضعيف استراتيجيا أمام دولتي مصر وإثيوبيا ووقوفه الى جانب احدهما ولو بغير قصد هو ضد مصلحة امنه القومى ويعرضه للخطر الشديد واختيار التوقيت المناسب ايضا له دلالاته الاستراتيجية فمصر الان رحبت باسترداد الفشقة ويتوقع خبراء قيام حرب مع اثيوبيا بسبب ذلك فمن المستفيد من هذه الحرب؟ والإجابة واضحة وبينة فهى مصر التى تريد زعزعة السودان باكمله وإضعافه ليسهل استغلاله واستخدامه بواسطة طيرانها وجيشها لضرب اثيوبيا والسيطرة على الإقليم و على عمقها الجنوبى شمال السودان . وعلى الصعيد الداخلي هنالك أضعاف عيانًا بيانا غير مسبوق للروح المعنوية لقواتنا المسلحة بواسطة النظام الحاكم وكذلك التخابر ضدها لتحجيم قدراتها وإمكانياتها الفنية ثم العلاقات العلنية لقيادات النظام بدول تسعى لتفكيكها وإضعافها بل هنالك من يعمل على احلال حركات ومجموعات مسلحة كانت تقاتلها وتعمل معها مكانها دون ادنى مراعاة لقياسات ومطلوبات الأمن القومى الاستراتيجي السودانى الذى تكون فيه القوة العسكرية وسلامتها رقم واحد ومطلوباته ثم ان هنالك الكثير من العلاقات المشبوهة لقادة النظام وبصورة علنية مع أعداء استراتيجيين للسودان تمضى العلاقات معهم لأجل إضعاف المنظومة العسكرية والأمنية على قدم وساق بالتنسيق مع دول إقليمية مثل الإمارات وغيرها ودولية مثل امريكا التى تشرع الان مايسمى بقانون دعم الانتقال الديمقراطي فى السودان الذي تتبناه دوائر محلية تشارك فى الحكومة الحالية على اعلى مستوياتها كذلك هنالك عملية تفكيك تمت لقوات كانت تسند الجيش فى عملياته بصورة احترافية واستبدلت بأخرى غير احترافية لم يراع فى ذلك مصلحة الأمن القومى والجيوش بغض النظر عن كل شيء أو حتى مجرد البديل الماثل دعك من الأفضل ولم يتم النظر لقوتها ومهنيتها اكثر من اى شيء لانها الجهة الوحيدة المسؤولة عن أمن البلد القومى وأي إخلال أو خلل فى ذلك هو مصيبة تمشي على رجلين.واثيوبيا يربطنا بها الجوار والمصالح المشتركة وحدودنا معها مفتوحة وطويلة ولديها جيش لديه خبرة ومتمرس فى الحروب يفوق ال٧٠٠الف جندى وبه عدد كبير من الصنوف الساندة الفاعلة كالطيران والدبابات
وإثيوبيا عدد سكانها اكثر من مائة مليون نسمة ومصر كذلك وجيشها يفوق الاربعمائة الف جندى وله إسناد جوي ودبابات وإسناد استخباري اسرائيلى وغربي ودعم خليجى ولكنه لن يستطع تحقيق نصر على اثيوبيا دون سند مباشر من السودان .
السودان سياسيًا دخل فى حوارات ونقاشات ووقع اتفاقات حول ترسيم الحدود مع اثيوبيا وبذلك هو اعترف ضمنا بوجود خلاف حول هذه الحدود مادام انه ارتضى التفاوض وهذه كلها توضع فى الحسبان عند اتخاذ مثل هذا القرار السياسي باستعادة مناطق متنازع حولها باعترافه وجلوسه للتفاوض حتي وان كانت الأرض سودانية مؤكدة ولكن مادام اعترف بالتفاوض فان الخيار العسكري يصبح محددا ومقيدا بنتائج التفاوض وليس بالواقع أو بأحداث المسرح وهذا يمكن ان يدول القضية علما ان رئيس وزراءنا خطابه فيه تبرير وتعاطف مع اثيوبيا فى البيان الذي اصدره حول الاحداث بما يشير الى خطورة الموقف .كذلك هنالك ضعف غير مسبوق وتفكك فى جبهتنا الداخلية بسبب الاستقطاب الداخلي والخارجي الحاد من بعض دول الإقليم كالإمارات ومصر والسعودية وعالميا من بريطانيا واسرائيل وأمريكا وبريطانيا تهدف جميعها الي تفكيك البلد وإضعافه لما يتميز به من موارد ونقاط قوة تريد ان تظفر بها بعد تفكيكه لانه يصعب عليها ذلك بوضعه القوي الموحد والدلائل واضحة، لتتمكن من السيطرة عليه مما جعل الجبهة الداخلية اكثر تفككا بل اصبحوا يسرحون ويمرحون مع اعلي القيادات السياسية بل ويصرحون بالواضح فى مسائل سياسية. اجتماعية..اقتصادية وغيرها إلى آخره. والمعلوم انه كلما زاد الاستقطاب كلما ضعفت الجبهة الداخلية وتفتت عرى الدولة وانهتك عرض كيانها وسطوتهاحتى وان كان داخليا دعك من ان يكون دوليًا مخابراتيا والسودان موقعه الجغرافي يجاور ثمانية دول بحالها وجميعها يسيطر عليها الفاعلون الدوليون اصحاب الأجندة والاستعمار احدها بحرى فكيف يكون مخترقا لهذه الدرجة ؟ ويأتي الاضطراب ؟! وعليه فانه لابد من وضع كل هذه الاعتبارات ثم القرار بعد ذلك بطريقة بعيدة عن العاطفة فمواجهة التفلتات للشفتة يفرق من مواجهة الجيش الرسمي وحساباته مختلفة ولها ما بعدها ،ومعلوم ان مصر لا تستطيع ان تهاجم اثيوبيا فى ظل وضع داخلي قوي فى السودان ومن مصلحتها اضعافه وأفضل حالة أضعاف للسودان هى دخوله فى حرب مع اثيوبيا فحينها ترقص مصر كالبومة التى يعجبها. الخراب وتستبيح أجواءنا بل من غير المستبعد ان يكون مسرح المواجهة بينها وإثيوبيا على الأراضى السودانية وهذا هو الأرجح فهل حسبنا كل هذا أم اننا فرحنا بإقامة مناورات عسكرية وتدريب مشترك مع عدونا الأول مصر وهذه نقطة ضعف استراتيجية ارتكبت فى توقيت خطا وكان الأفضل عكس ذلك فهو تقوية لموقف مصر واستعداد لمواجهة اثيوبيا تم الاستعداد له بهذه البروفات والتمرينات فلمَ نقدم للجميع مايطلبونه على طبق من ذهب ؟ واين مصلحتنا نحن استراتيجيا من ذلك؟وبالتالي ليس مستبعد ان يكون السودان مستباحا للقوات المصرية ومخابراتها فى حين قيام حرب مع اثيوبيا وواقع حكومة تنفيذية غير داعمة لموقف جيشها بل تحيك المؤامرات ضده وتحرض عليه الدول العظمى لتفكيكه وعليه لابد من مراجعة الموقف كاملا على ضوء هذه المعطيات واولها ذهاب العناصر التى تعمل ضد القوات المسلحة فى الحكومة التنفيذية واولها رئيس الوزراء وطاقمه ثم مراجعة الموقف الاستراتيجي فى التعاون مع مصر العدو الأول للسودان ومنع توغلها مخابراتيا وتنسيقيا مع جيشنا وثالث وقف التواصل بين بعض المكونات العسكرية مع الإمارات والسعودية واسرائيل وغيرها وتقييد ذلك مباشرة الا عبر أسس استراتيجية بحتة تراعي مصلحة الأمن القومى البحت للحفاظ على الأسرار والمنظومات الدفاعية ومنع وتقييد الحديث أو التداول حولها واعتبار أي خرق لذلك خيانة عظمى توجب المحاسبة وإيقاف الإضعاف المعنوي لها وابعادها عن الاستقطاب والصراع السياسي للحفاظ على مهنيتها حتى تتمكن من القيام بواجبها على الوجه الأكمل وفرض سياج استراتيجي قوي يؤمن حدودها ويضمن سلامة أراضيها ومنظوماتها السياسية والاقتصادية والدفاعية والاجتماعية وغيرها ليتمكن الجهاز التنفيذى للعمل بأمان من اجل توفير الخدمات وليس انشغاله لأجل ارضاء وتنفيذ اجندة الدول والشعوب الأخرى كما يحدث الان وشعبه يعانى الأمرين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى