اخبار

أزمة الدواء…المواطن يدفع الثمن!

*الحل يكمن في توفير آلية واضحة لإستيراد الأدوية و توفير العملة الصعبة.
*خبراء: حذرنا السلطات الصحية من حدوث ندرة في الأدوية.
*صيادلة :واحد من خمسين يحصل على دواء متكامل من الصيدلية.
*وزارة الصحة تؤكد على حل مشاكل الدواء و استقرار أسعاره
ندرة في المحاليل الطبية و الأدوية المنقذة للحياة.

تحقيق : عرفة خواجة
أصبح كامل سعد، مسكوناً بقلق دائم، بعد أن استهلكت زوجته دواء الغدة، الذي تتناوله بشكل يومي، بكامله. فراح يجوب الصيدليات بحثاً عن الدواء من دون جدوى، حتى وجد أخيراً علبة واحدة بالصدفة في إحدى الصيدليات، مقابل سعر أعلى من السعر الرسمي اي بزيادة ١٠٠٪؛ إذ أصبح الحصول على بعض الأدوية، في البلاد أمراً صعباً، فهي إمّا غير متوفرة في غالبية الصيدليات، أو أنّ سعرها سجّل ارتفاعاً يعجز أصحاب الدخل المحدود عن شرائه؛ مما يزيد ذلك من تفاقم آلام المرضى .
حمى الأزمات 
انتقلت حمّى الأزمات في السودان إلى سوق الأدوية الذي يشهد نقصاً حاداً و ارتفاعاً في الأسعار، ما فاقم من أزمات المواطنين الذين يعانون من أزمات خبز و وقود و غلاء تفاقمت في ظل ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي مقابل تراجع سعر العملة الوطنية
و حسب مراقبين، تعتبر مشاكل الأدوية جزءاً من أزمة قطاع الصحة بصورة عامة الذي ازدادت معاناته كثيراً في الفترة الأخيرة، إذ يواجه الإهمال و ضعف التشريعات، بالإضافة إلى ظهور منافذ خلفية عديدة مثل الأدوية الفاسدة أو منتهية الصلاحية، و كذلك تفشي التجارة غير المشروعة للأدوية المخدرة و غيرها في ظل ضعف الرقابة. و سبق أن سلّم صيادلة السودان مذكرة لرئيس الوزراء، مطالبين فيها الحكومة بتوفير 55 مليون دولار شهرياً، و إنشاء محفظة دائمة من العملة الحرة، و التزام سداد مديونية الإمدادات الطبية، و عمل معالجات عادلة بفروقات أسعار مواد الخام، عبر تشكيل فريق عمل متكامل من مجلس الأدوية و وزارة المالية و بنك السودان المركزي؛ و لكن لم تطرأ اي تطورات جديدة فيما يخص الادوية.
جولة 
كشفت جولة في عدد من الصيدليات بالعاصمة المثلثة عن ارتفاع أسعار الأدوية المحلية مقابل المستورد، بجانب انعدام بعض الأصناف منها في عدد من الصيدليات من بينها (أدوية المصران و قطرات العين و أدوية القلب و السيولة و أدوية الأمراض الجلدية و المحاليل الوريدية و بعض الأدوية المنقذة للحياة و أدوية الغدة) فيما بدأت أرفف بعض الصيدليات فارغة تماما من الأدوية .
انعدام محاليل 
و كشف صيادلة عن انعدام الأدوية المنفذة للحياة وكافة أنواع المضادات الحيوية و بعض أدوية الأمراض المزمنة و المحاليل الوريدية، و اصفين الوضع بالخطير للغاية .
و قال صاحب صيدلية إنهم يعانون نقصا حادا في المحاليل الوريدية و قطرات العيون منذ يناير المنصرم و وصفوا الوضع بالخطير، و أضاف قائلا: إن واحد من خمسين يحصلون على الروشتة كاملة دون الطواف بالعديد من الصيدليات للبحث، كاشفا عن انعدام الأدوية المنقذة للحياة و المحاليل و المضادات الحيوية للكبار و الأطفال و أحد عقارات السكر والبندول .
و حذر من انفجار الوضع في حالة استمرار غياب بعض الأدوية من الصيدليات خاصة المحاليل الوريدية ، في ظل شح الدواء و إغلاق شركات الأدوية أبوابها بسبب تأرجح.

الدولار بحث و عناء 
عند دخولنا إحدى صيدليات حلة كوكو بشرق النيل في جولة استطلاعية صادفنا سائق ركشة كان يحمل دفتر الأدوية المزمنة التي يستخدمها مرضى السكري و ضغط الدم بصورة دائمة، وقدا بدأت عليه علامات الإرهاق من عناء البحث عن الدواء، اقتربت منه و استفسرته عن نوع الدواء الذي يبحث عنه و إذا كان متوفرا بالصيدليه أم لا ؟ ، أجاب غاضبا: (ياخ دي بلد دي؟ أنا اساسا ماعندي دخل للموضوع دا) ، وواصل قائلا :(الحصل ركبت معاي خالتنا كبيرة في السن و طلبت أوصلها صيدلية حلة كوكو لصرف أدويتها الشهرية، و عندما حكت لي تفاصيل حياتها و معاناتها مع ندرة الأدوية التي تستخدمها و غياب إبنها الوحيد عن العاصمة و انشغال زوجة ابنها ببيتها و أسرتها جعلها تواجه مشقة الحصول على الدواء لوحدها، عطفت عليها و قررت (أفتش) معاها و عند وصولنا للصيدلية المعنية وجدناها مغلقة حينها شبكت المرأة يديها برأسها و قالت: (الأمل الوحيد وخاب) فقلت لها لا عليك أنا معك و لن ترجعي بيتك قبل أن تجدي دوائك، ومن هنا بدأنا رحلة البحث و لكن من دون جدوى. 
مر الشكوى 
و اشتكى عدد من المرضى من ارتفاع أسعار الأدوية المحلية و المستوردة، و أرجع التجار ارتفاع أسعار الأدوية لارتفاع الدولار و امتناع الشركات عن توفير الأدوية خوفاً من الخسارة، و شهدت أسعار بعض الأدوية المحلية ارتفاعا ملحوظا مقارنة بأسعار بعض الشركات المستوردة.
سوق موازي
و في ذات السياق أوضح الدكتور زكريا الحاج بأن بعض الصيادلة أصبحوا يقومون بشراء الأدوية من السوق الموازي بسعر مضاعف من سعر الشركات، و الآن البندول قاطع و المضادات الحيوية أيضا ،و قال بأن المجلس القومي للأدوية و السموم في وقت سابق أصدر تسعيرة جديدة للدواء لكن غرفة صناعة الأدوية رفضت ذلك، و أشار إلى أن شركات الدواء و الشركات الوسيطة جميعها مغلقة، و أن المصانع المحلية تغطي (60%) من حاجة البلد، إلى (40%) تغطيها الشركات و الإمدادات الطبية، و أضاف أن القطاع الخاص و (الإمدادات) تعانيان من عجز كبير جدا خاصة بعد عجز الإمدادات الطبية أصبحت غير قادرة على تلبية حاجة القطاع الخاص و اكتفت بالقطاع الحكومي فقط مع ما تتمتع به من صلاحيات حتى المحاليل الوريدية قاطعة منذ أشهر بالمستشفيات، و ذكر إن المعالجات للأسف تخضع لقرارات سياسية بل توفير الدواء للشركات و تحديد تسعيرة محددة و توفير عملة أجنبية.
أزمة ضمير
و من جانبه أوضحت طبيببة صيدلانية بأن ندرة الدواء ترجع لعدم دعم الدولار و كأن الدواء سلعة عادية، هذا أثر سلبا على أسعار الدواء. هنالك بعض الأدوية وصلت زيادتها نسبة 200% و بعضها فاق هذه النسبة و وصل ال300 % و بعض آخر أقل من ذلك و زيادته لا تتجاوز 90% و أرجعت الصيدلانية هذا التفاوت في نسبة زيادة أسعار الدواء إلى الشركات المستوردة و حسب هامش الربح بالنسبة لها لأن الأدوية المستوردة من الهند هي أقل تكلفة لذلك نسبة الزيادة فيها غير كبيرة و هذا يرجع لرخصة الأيدى العاملة في مجال الدواء و لكن الدواء المستورد من إنجلترا و ألمانيا ارتفعت أسعاره بنسبة عالية جدا و قالت: إن المواطن لم يتقبل هذه الزيادة و يلقي بالوم علي الصيدلي و عندما سألناها عن دور التأمين الصحي فقالت هو يغط في سبات عميق و لا وجود له في دعم الأدوية.
و أضافت أن بعض الأدوية المنقذة للحياة منعدمة تماما في الإمدادات الطبية و الشركات و يتم التعامل مع هذه الحالات بواسطة الخيرين فهم يأتون ببعض الأدوية في الصيدلية و توزع حسب الحاجة و لكن مؤكد هذه الأدوية لا تكفي حاجة المرضي و ليست إلزاما تجاه أصحاب الخير فهم يأتون بها حسب تقديراتهم.
إستراتيجية 
و بالمقابل أوضح محمد صالح عشميك صيدلي ل( s.t) أن السبب الرئيسي وراء انعدام الأدوية عموما هو عدم وجود استراتيجية واضحة في التعامل مع ملف الدواء، و أن أزمة الدواء ليست لها علاقة بجائحة كرونا بل تتعلق باستراتيجية الدواء الذي يفترض أن تكون واضحة، هنالك إهمال كبير من قبل وزارة الصحة فيما يتعلق بملف الدواء، و أضاف قائلا: حتى الصيادلة يواجهون صعوبات في الحصول على الأدوية، و أردف قائلا الصيادلة ليس لديهم ذنب، بل هي سياسات حكومية، من قبل حذرنا السلطات الصحية من حدوث ندرة في الأدوية في حال استمرار الأوضاع الحالية لكن لم نجد استجابة، و كان يجب أن يكون هنالك إتفاق بين الحكومة و المصدرين و المستوردين لتوفير الدواء، و أضاف عشميك بأن الحل يكمن في توفير آلية واضحة للاستيراد و الدولار، و عمل تأمين صحي شامل لجميع الأسر حتى يتسنى لها شراء الأدوية بأسعار في متناول الأيدي. وزارة الصحة تؤكد على حل مشاكل الدواء و استقرار أسعاره :
و من جانبه أكد وزير الصحة الإتحادية المكلف الدكتور أسامة أحمد عبدالرحيم، إهتمام الوزارة بالكوادر الطبية و الصحية العاملة، و إزالة كل العقبات التي تواجه سير العمل الصحي، مشددا على ضرورة حل مشاكل الدواء و استقرار اسعاره و توفيره للمواطنين دون عناء.
جاء ذلك لدى تفقده سير العمل بالإدارة العامة للصيدلة و ذلك ضمن برنامجه لزيارة الإدارات التي تتبع للوزارة و الوقوف على سير العمل بها وتذليل العقبات التي تواجهها.
و وقف عبدالرحيم على جميع الادارات و الأقسام التي تتبع لإدارة الصيدلة واعداََ بتكملة النواقص.
و طالبت مدير الإدارة العامة للصيدلية د. وهيبة حسن التوم، بزيادة ميزانية الإدارة، لافتة إلى ضرورة تأهيل مباني الإدارة و صيانة السيارات و المكيفات، بجانب تحديد المهام و الاختصاصات بين الصيدلة و الإدارات ذات الصلة.
من المحرر 
لم يعد للمريض السوداني حول ولا قوة، فقد أصبح بين نارين إما تحمل آلام المرض و أعراضه القاسية، و الموت كمدا لعجزه عن شراء الدواء اللازم لعلاجه أو أن يضحي لتدبير نفقات شراء الدواء، التي ارتفعت خلال الشهور الماضية، و إن اقتطعها من قوته اليومي، حتى الدواء أصبح قوتا لكثيرين فلا يستطيعون العيش بدون تناول أدويتهم المنقذة لحياتهم، أصبح مثله مثل الخبز، على الرغم من تطرق العديد من الصحف و وسائل الإعلام إلى قضية الدواء و على الرغم من تصريحات المسئولين إلا أنه ما زالت القضية مستفحلة و المواطن يدفع الثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى